قراءة منهجية لمؤلف وزارة المالية والخوصصة حول " موازنة الدولة "
الأستاذ عبد القادر برادة، مختص في السياسة الاقتصادية و المالية العامة
أصدرت وزارة المالية والخوصصة كتابا تحت عنوان "موازنة الدولة"، يقع في 270 صفحة من القطع المتوسط . وتوزع هذا المؤلف على أربعة أجزاء إضافة إلى الخاتمة والمرفقات . يتناول الجزء الأول مفهوم قانون المالية، والجزء الثاني تقديم قانون المالية: المحتوى والهيكل والوثائق، والجزء الثالث تحضير الميزانية، والجزء الرابع تنفيذ الميزانية . وإذا كانت مبادرة من هذا القبيل جديرة بالتنويه ، خصوصا أن موضوع الدراسة غاية في التعقيد والأهمية ، فإن طريقة إعداد المؤلف ابتعدت عن المنهجية العلمية ، حيث إن أطرا كفأه ومتمرسة و نزيهة لم تحظ بالمشاركة في الإعداد ، مما أثر سلبا على مضمون الكتاب كما و كيفا .
إن القراءة الأولية لهذا المؤلف ، بالارتكاز على مدارك و منهجية المحترف لا الهاوي، تساعد على الخروج باستنتاج مهم ، هو أن الترسانة القانونية الخاصة بموازنة الدولة لا تخل من عدة ثغرات فحسب، بل ينقصها بدرجة كبيرة ، الوضوح و الدقة و الانسجام، كما أن الاستثناء يكاد يشكل القاعدة في كثير من الأحيان، هذا بالإضافة إلى حرية التصرف المفرطة التي خولها الجهاز التنفيذي لنفسه في هذا المجال الحيوي دون مراقبة تذكر، معتبرا أن لا شيء يفرق بين ثقافة الأمر الواقع و ثقافة القانون.
في العمق، و كما يقضي بذلك القانون التنظيمي للمالية(1998)، يعتبر التوازن المالي كمبدأ وكمؤشر بالغ الدلالة، الركيزة الأساسية التي يقوم عليها "قانون المالية للسنة" (أو "قوانين المالية المعدلة له"). و مع ذلك لم ينل هذا الجانب نصيبه من الاهتمام حيث خصصت له صفحتين لا أقل و لا أكثر، بغض النظر عن الصفحة المتعلقة بالجداول الإحصائية المبهمة، و أخرى تم التركيز فيها على العموميات( ص. 53-56). كما جاء في الصفحة 54 من هذا الكتاب: " توازن القانون المالي بالمغرب يمكن استنتاجه من مصدرين:
أ - جدول التوازن الوارد في كل قانون مالي و الذي ينتج عنه دائما فائض في التحملات بالنسبة للموارد باستثناء قانون المالية لسنة2001 ، اعتبارا لمداخيل الخوصصة المتأتية من تفويت 35 في المائة من رأس مال شركة اتصالات المغرب، غير أن هذا العجز الذي يمكن وصفه بالقانوني أو الإداري ، لا يكتسي سوى طابعا حسابيا فقط و ذلك نظر للاعتبارين التاليين:
. فهو من جهة ، يمثل تجميعا لوضعية المكونات الأربع للقانون المالي ، التي كثيرا ما تربط بينها علاقة أخد و عطاء متبادلة، مما يؤدي في بعض الأحيان إلى ازدواجية في تسجيل الإعتمادات و بالتالي إلى بعض التضخيم في الأرقام:
. و هو من جهة أخرى لا يميز بين نوعين من العمليات المالية:
1 - العمليات ذات الطابع الموازني ، التي هي في مجملها نهائية سواء على مستوى المداخيل أو النفقات ،
2 - العمليات المرتبطة بتمويل الخزينة و التي تتسم في غالبها بطابعها المؤقت؛
ب - جدول تحملات و موارد الخزينة المبني على التمييز الواضح بين النوعين من العمليات المذكورة أعلاه. و لهذا، فإن المعطيات الواردة في هذا الجدول هي التي يعتد بها لتحديد العجز المتداول مقارنة مع الناتج الداخلي الإجمالي.
إن التقييم الذي سبق يستوجب عدة ملاحظات أولية:
(1) - المؤاخذات التي وردت بشأن الطريقة الأولى، التي يقدم بها التوازن المالي لا تقبل الجدل وإن جاءت متأخرة بعشرات السنين، حيث أنها تثار باستمرار منذ 1980 في محاضرات المالية العامة و القانون المالي التي تلقى برحاب كلية الحقوق و للاقتصاد بالرباط أكدال. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح بعد هذا الاعتراف ، هو بما أن الخلل المشار إليه ليس "قضاء ولا قدرا" فما الذي يمنع من معالجته؟
إن دولا كثيرة أخرى اهتدت إلى الحل، ألا و هو الحرص على تطبيق نظام محاسبي للدولة منمط و مثبت، و توفير الشروط الضرورية لذلك بدءا من الإرادة السياسية الحقيقية. ألم تكن مراجعة القانون التنظيمي للمالية (لسنة 1972) التي تمت سنة 1998 فرصة مواتية لذلك؟
(2) - لا يكفي التذرع بهذه الاختلالات المقصودة للإلقاء ب"جدول التوازن الوارد في كل قانون مالي" في سلة المهملات، وتبرير اختيار الإدارة لصالح "جدول تحملات و موارد الخزينة". إذا كان هذا النوع من التقديم "لا يكتسي سوى طابعا حسابيا فقط"، في هذه الحالة ما الفائدة منه و من عرضه بهذا الشكل؟ ولماذا كل هدا المجهود المبذول من طرف الجهاز التنفيذي والجهاز التشريعي؟ وهل هي مجرد خدعة مؤسساتية؟ ألا يشكل جدول التوازن المالي العام جزء لا يتجزأ من قانون المالية الذي ينشر بالجريدة الرسمية ، و يكتسي إذ ذاك طابعا رسميا ، ويصبح مرجعا مؤسساتيا حتى بالنسبة لقانون التصفية؟ إذا كان الجهاز التنفيذي يعتبر ذلك مجرد "أكسوار" أو "كدجيت" لماذا و كيف يعمل جاهدا على تغيير طبيعته و حجمه سواء قبل عرض مشروع الميزانية على البرلمان بغرفتيه أو بعد المصادقة عليه، أي خلال مرحلة التطبيق؟ بالفعل، هنا يكمن الأهم.
و الحالة هذه، في أي اتجاه يتوجب بدل المزيد من المجهود حتى يصبح التوازن المالي المرتبط بقانون المالية للسنة (أو القوانين المعدلة له) معبرا بما فيه الكفاية ، كما و كيفا، عن توجهات واضحة و نتائج محتملة ، يمكن اعتبارها دون تردد، أي بكل ثقة ، في صالح الوطن و أهله قرويين كانوا أم حضريين ؟
(3) - التوازن المالي بمفهومه البدائي يقتضي أن تكون النفقات بنفس حجم العائدات. لكن، نظرا لاستحالة بلوغ هذا الهدف، فإن الطرح السائد هو أن التوازن المالي لا يتعارض مع وجود فجوة، يعود سببها لضعف الموارد بالنسبة للنفقات، على أساس أن يتم حصر الفارق في حدود ضيقة ، و ذلك تجنبا لوقوع اختلالات اقتصادية و/أو مالية يصعب التحكم فيها.
في الدول الديمقراطية، يبقى البعد السياسي حاضرا بقوة في هذا المجال الحيوي، مما يمكن من بلورة اختيارات تسمح بتسخير المالية العامة لصالح أهداف تنموية بمفهومها الواسع.
إن التوازن المالي، سواء تعلق الأمر بطبيعته أو بحجمه، يجسد بالفعل التزام الجهاز التنفيذي أمام البرلمان بالعمل في هذا الاتجاه. و العمل في هذا الاتجاه يعني أيضا تعهد الحكومة بتقليص الفجوة المالية و تحديد طبيعتها و ذلك لتفادي أولا: مخاطر اللجوء إلى وسائل التمويل التضخمية و ما يمكن أن ينجم عن ذلك من تأثيرات سلبية على توزيع الدخل و ميزان الأداءات و القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني؛وثانيا : منافسة المستثمرين الخواص و المقاولات العمومية في الحصول على القروض و رفع تكلفتها.
(4) - في المغرب، يختلف المنظور الرسمي للتوازن المالي، من حيث الشكل و المضمون، على ما هو عليه الحال في الدول الديمقراطية. إن التوازن المالي الأصلي (أو المعدل) يكتسي أولا طابعا مغشوشا، بفعل تدابير و صفت بالتقنية، و ك
المزيد