لماذا ينتحر المشاهير ؟ ( 7 )
كتبهاabdfettah sadiki ، في 20 أغسطس 2007 الساعة: 22:42 م
إرنست هيمنغواي: عاش مغامراً ومات منتحراَ
في سنة 1960، أُدخل الكاتب الأمريكي الكبير إرنست هيمنغواي المستشفى للعلاج من نوبات اكتئاب أصابته، حيث كان يتلقى العلاج بالصدمة الكهربائية.
وفي 1961 سيخرج من المستشفى، وفي الثاني من يوليوز من نفس العام سيقدم هيمنغواي على وضع حد لحياته ببندقية صيد ذات فوهتين ، مخلفا وراءه جملة من الأعمال الخالدة التي جعلت منه أحد أبرز أعلام الأدب الغربي في القرن العشرين، وما تزال أعماله شاهدة على عظمته، وما تزال الأجيال المتعاقبة تتلذذ بقراءة روائعه لحد الآن. لكن هذه العظمة تخفي وراءها قصة حياة بائسة لرجل لم تقدر الشهرة التي جناها، ولا المغامرات التي خاضها، ولا الجوائز الأدبية التي حصدها على جلب السعادة له . فمن هو إرنست هيمنغواي؟ كيف عاش ؟ كيف أبدع ؟ وكيف انتحر؟
شاب مغامر
ولد إرنست هيمنغواي سنة 1899 بإلينويز، والده كان طبيبا يعشق الصيد والقنص، فترعرع الصبي إرنست على حب المغامرة، انخرط في مرحلة الدراسة الثانوية في فريق كرة القدم الأمريكية ومارس الملاكمة لأنه كان يحب الاندفاع البدني ويتمتع ببنية جسمانية قوية، احترف العمل الصحفي بعد تخرجه من الثانوية بعد فشل محاولاته للالتحاق بالجيش، بسبب تضرر إحدى عينيه جراء مباريات الملاكمة التي خاضها.
مع دخول الولايات المتحدة كطرف في الحرب العالمية الأولى، التحق هيمنغواي بالصليب الأحمر الأمريكي ثم بوحدة للإسعاف تابعة للجيش الإيطالي، حيث خدم في جبهة القتال، فتعرض لإصابة حرجة أرغمته على البقاء طويلا في المستشفى في ميلانو. بعد خروجه تم توشيحه من طرف الجيش الإيطالي على شجاعته، ثم انتقل بعد ذلك إلى باريس ليعمل كمراسل لعدد من الصحف الأمريكية والكندية على مستوى أوروبا، حيث قام بتغطية الحرب اليونانية التركية في 1920 والحرب الأهلية الإسبانية عام 1937.
كاتب «الجيل الضائع »
كان لمقام إرنست هيمنغواي في باريس في فترة العشرينيات والثلاثينيات أثر بالغ في الدفع بمسيرته الأدبية نحو النجاح ومعانقته للشهرة مبكرا، بعد سلسلة من الإنتاجات التي لقيت استحسان النقاد، كان لهيمنغواي موعد مع النجاح مبكرا عبر روايته “The Sun Also Rises” عام 1926، والذي يتحدث فيها عن مجموعة من المغتربين الأمريكيين في باريس في فترة ما بعد الحرب الكونية الأولى، يبحثون عن الملاذ النفسي من مشاكلهم عبر مجموعة من النشاطات البدنية والعاطفية.
هذه الرواية، خولت لهيمنغواي لقب كاتب « الجيل الضائع » (Lost Generation) وهو اسم أطلقته الكاتبة غيترارد شتاين على مجموعة من الفنانين الأمريكيين التفوا حولها في باريس، وثاروا على المثل القومية التي أودت بحياة عدد من الشبان في الحرب، لأجل حسابات السياسيين ومصالحهم.
هذا النجاح تبعه نجاح آخر تمثل في رواية “A Farwell to Arms” ، وهو على ما يبدو مستوحى من تجربته في الجبهة مع الجيش الإيطالي.
في نفس الأثناء، تزوج هيمنغواي مرتين، وأقدم والده على الانتحار، فيما أصيبت زوجته الثانية بنوبات عصيبة وبداء السكري، مما دفعه للانغماس أكثر في الترحال والجري وراء المغامرة.
حياة متقلبة
سافر هيمنغواي في رحلة سافاري طويلة في إفريقيا، مارس خلالها متعته في القنص، ورجع منها بعملين من أروع ما كتب، حيث ألف “The Snow of Kliminjano“و the green hills of Africa عام 1935.
مع اندلاع الحرب الأهلية في إسبانيا، انتدب هيمنغواي كمراسل لتغطية الحرب، وساعدته هذه التجربة في معانقة النجاح الكبير مجددا عبر رواية “For whom The Bell Tolls” كما ساعدته أسفاره الكثيرة ومغامراته الشخصية في كتابة عدد من الروايات الناجحة الأخرى.
طلق هيمنغواي زوجته الثانية وتزوج للمرة الثالثة، ثم جال في الصين قبل الاستقرار في كوبا، ومع نشوب الحرب العالمية الثانية انخرط هيمنغواي في البحرية الأمريكية، كما طاف أوروبا مع الحلفاء كمراسل حرب، وساهم في تحرير باريس مع جيوش الحلفاء. طلق وتزوج للمرة الرابعة، واستقر بعض الوقت في إيطاليا قبل العودة إلى كوبا مجددا. مع نهاية الأربعينيات خبا نجم هيمنغواي بعض الوقت حتى راج الاعتقاد بين الأوساط الأدبية أنه انتهى، لكن الكاتب ما فتئ أن كذَّب هذه التكهنات بعد نشر رواية «العجوز والبحر »، إحدى أجمل الروايات التي خلفها. هذه الرواية كانت وراء حصوله على جائزة «البوليتزر » عام 1952، ثم تتويجه بجائزة نوبل عام 1954، ليخلد اسمه كأحد أبرز الوجوه الأدبية في القرن السالف.
غير أن هذه الفترة ستشكل أيضا مرحلة التدهور في حياة هيمنغواي، إذ سينزل إلى مستوى الحضيض بعدما كان في أعلي مراتب الشهرة والتقدير والإبداع.
نهاية بائسة
معظم روايات هيمنغواي تدور حول المغامرة، وتصور أشخاص يتمتعون بالقوة والشجاعة في مواجهة ما يعترضهم من مصاعب ومخاطر في الحياة :جنود، صيادون، مصارعو ثيران. .
بلحيته الكثيفة وجسده الكبير والمفتول، وتجاربه في خوض الحروب ومقارعة الوحوش في أدغال إفريقيا، اعتبر هيمنغواي ، كما شخصياته الروائية، رمزا للرجولة والشجاعة، كما عمل هو من خلال رواياته على تعظيم مظاهر البطولة والإقدام في الإنسان، والعيش وسط الخطر ومواجهته دون اكتراث.
غير أن الكاتب الذي تغنى بالفحولة والبسالة البشرية، عجز في آخر حياته عن مواجهة وجوده البائس، حيث انفصل عن زوجته الرابعة، وانغمس في الإدمان على الكحول، وأصيب بنوبات متكررة من الاكتئاب التي انزلقت به إلى حد الإصابة بالخوف المرضي، خوف من خيانة الأصدقاء، وخوف من أن تقبض عليه الأجهزة الأمنية الأمريكية بحكم مساندته لنظام فدبل كاسترو في كوبا، وغدا هيمنغواي في هذه الفترة جد مزاجي وجد متقلب، وكثرت حالات الغضب لديه، أصيب بضغط الدم، السكري، ثم كان الاكتئاب النقطة التي أفاضت الكأس.
يقال أن الانتحار هو «العمل الجبان الذي يتطلب التحلي بأكبر قدر من الشجاعة »، ومن الصعب الحكم على مدى صدق هذه القولة، لكن إذا كان انتحار إرنست هيمنغواي عملا شجاعا من طرفه، فلن يكون إلا امتدادا لما تحلى به هذا الكاتب المغامر من شجاعة طبعت معظم حياته. في المقابل إذا كان فعله هذا جبانا، فلا يمكن أن ينفي أبدا عظمته التي ما تزال أعماله العديدة شاهدة عليها حتى يومنا هذا.
سعد الدين لمزوق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : سلسلة | السمات:سلسلة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























نوفمبر 22nd, 2007 at 22 نوفمبر 2007 10:47 ص
شكرا لك