التوازن المالي وطغيان ثقافة الأمر الواقع

كتبهاabdfettah sadiki ، في 9 أغسطس 2007 الساعة: 22:22 م

 قراءة منهجية لمؤلف وزارة المالية والخوصصة حول " موازنة الدولة "

 

الأستاذ عبد القادر برادة، مختص في السياسة الاقتصادية و المالية العامة

 

أصدرت وزارة المالية والخوصصة كتابا تحت عنوان "موازنة الدولة"،   يقع في 270 صفحة من القطع المتوسط . وتوزع هذا المؤلف على أربعة أجزاء إضافة إلى الخاتمة والمرفقات . يتناول الجزء الأول مفهوم قانون المالية، والجزء الثاني تقديم قانون المالية: المحتوى والهيكل والوثائق، والجزء الثالث تحضير الميزانية، والجزء الرابع تنفيذ الميزانية . وإذا كانت مبادرة من هذا القبيل جديرة بالتنويه ، خصوصا أن موضوع الدراسة غاية في التعقيد والأهمية ، فإن طريقة إعداد المؤلف ابتعدت عن المنهجية العلمية ، حيث إن أطرا كفأه  ومتمرسة و نزيهة لم تحظ  بالمشاركة في الإعداد ، مما أثر سلبا على مضمون الكتاب  كما و كيفا .

إن القراءة الأولية لهذا المؤلف ، بالارتكاز على مدارك و منهجية المحترف لا الهاوي، تساعد  على الخروج باستنتاج مهم ، هو أن الترسانة القانونية الخاصة بموازنة الدولة لا تخل  من عدة ثغرات فحسب، بل ينقصها بدرجة كبيرة ،  الوضوح و الدقة و الانسجام، كما أن الاستثناء يكاد يشكل القاعدة في كثير من الأحيان، هذا بالإضافة إلى حرية التصرف المفرطة التي خولها الجهاز التنفيذي لنفسه في هذا المجال الحيوي دون مراقبة تذكر، معتبرا أن لا شيء يفرق بين ثقافة الأمر الواقع و ثقافة القانون.

 في العمق، و كما يقضي بذلك القانون التنظيمي للمالية(1998)،  يعتبر التوازن المالي كمبدأ وكمؤشر بالغ الدلالة، الركيزة الأساسية التي يقوم عليها "قانون المالية للسنة" (أو "قوانين المالية المعدلة له").  و مع ذلك لم ينل هذا الجانب نصيبه من الاهتمام حيث خصصت له صفحتين لا أقل و لا أكثر، بغض النظر عن الصفحة المتعلقة بالجداول الإحصائية المبهمة، و أخرى تم التركيز فيها على العموميات( ص. 53-56).                             كما جاء في الصفحة 54 من هذا الكتاب: " توازن القانون المالي بالمغرب يمكن استنتاجه من مصدرين:

       أ - جدول التوازن الوارد في كل قانون مالي و الذي ينتج عنه دائما فائض في التحملات بالنسبة للموارد باستثناء قانون   المالية لسنة2001 ، اعتبارا لمداخيل الخوصصة المتأتية من تفويت 35 في المائة من رأس مال شركة اتصالات المغرب، غير أن هذا العجز الذي يمكن وصفه بالقانوني أو الإداري ، لا يكتسي سوى طابعا حسابيا فقط و ذلك نظر للاعتبارين التاليين:

          . فهو من جهة ، يمثل تجميعا لوضعية المكونات الأربع للقانون المالي ، التي كثيرا ما تربط بينها علاقة أخد و عطاء متبادلة، مما يؤدي في بعض الأحيان إلى ازدواجية في تسجيل الإعتمادات و بالتالي إلى بعض التضخيم في الأرقام:

. و هو من جهة أخرى لا يميز بين نوعين من العمليات المالية:

  1 - العمليات ذات الطابع الموازني ، التي هي في مجملها نهائية سواء على مستوى المداخيل أو النفقات ،

         2 - العمليات المرتبطة بتمويل الخزينة و التي تتسم في غالبها بطابعها المؤقت؛

 

      ب -  جدول تحملات و موارد الخزينة المبني على التمييز الواضح بين النوعين من العمليات المذكورة أعلاه. و لهذا، فإن المعطيات الواردة في هذا الجدول هي التي يعتد بها لتحديد العجز المتداول مقارنة مع الناتج الداخلي الإجمالي. 

 

إن التقييم الذي سبق يستوجب عدة ملاحظات أولية: 

 

(1) - المؤاخذات التي وردت بشأن الطريقة الأولى، التي يقدم بها التوازن المالي لا تقبل الجدل وإن جاءت متأخرة بعشرات السنين، حيث أنها تثار باستمرار منذ 1980 في محاضرات المالية العامة و القانون المالي التي تلقى برحاب كلية الحقوق و للاقتصاد بالرباط أكدال. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح بعد هذا الاعتراف ، هو بما أن الخلل المشار إليه ليس "قضاء ولا قدرا" فما الذي يمنع من معالجته؟

إن دولا كثيرة أخرى اهتدت إلى الحل، ألا و هو الحرص على تطبيق نظام محاسبي للدولة منمط و مثبت، و توفير الشروط الضرورية لذلك بدءا من الإرادة السياسية الحقيقية. ألم تكن مراجعة القانون التنظيمي للمالية (لسنة 1972) التي تمت سنة 1998 فرصة مواتية لذلك؟

(2) - لا يكفي التذرع بهذه الاختلالات المقصودة للإلقاء ب"جدول التوازن الوارد في كل قانون مالي" في سلة المهملات،  وتبرير اختيار الإدارة لصالح "جدول تحملات و موارد الخزينة". إذا كان هذا النوع من التقديم "لا يكتسي سوى طابعا حسابيا فقط"، في هذه الحالة ما الفائدة منه و من عرضه بهذا الشكل؟ ولماذا كل هدا المجهود المبذول من طرف الجهاز التنفيذي والجهاز التشريعي؟ وهل هي مجرد خدعة مؤسساتية؟ ألا يشكل جدول التوازن المالي العام جزء لا يتجزأ  من قانون المالية الذي ينشر بالجريدة الرسمية ، و يكتسي إذ ذاك طابعا رسميا ، ويصبح مرجعا مؤسساتيا حتى بالنسبة لقانون التصفية؟ إذا كان الجهاز التنفيذي يعتبر ذلك مجرد "أكسوار" أو "كدجيت" لماذا و كيف يعمل جاهدا على تغيير طبيعته و حجمه سواء قبل عرض مشروع الميزانية على البرلمان بغرفتيه أو بعد المصادقة عليه، أي خلال مرحلة التطبيق؟ بالفعل، هنا يكمن الأهم. 

 و الحالة هذه، في أي اتجاه يتوجب بدل المزيد من المجهود حتى يصبح التوازن المالي المرتبط بقانون المالية للسنة (أو القوانين المعدلة له) معبرا بما فيه الكفاية ، كما و كيفا، عن توجهات واضحة و نتائج محتملة ، يمكن اعتبارها دون تردد، أي بكل ثقة ،  في صالح الوطن و أهله قرويين كانوا أم حضريين ؟  

(3) - التوازن المالي بمفهومه البدائي يقتضي أن تكون النفقات بنفس حجم العائدات. لكن، نظرا لاستحالة  بلوغ هذا الهدف، فإن الطرح السائد هو أن التوازن المالي لا يتعارض مع وجود فجوة، يعود سببها لضعف الموارد بالنسبة للنفقات، على أساس أن يتم حصر الفارق في حدود ضيقة ، و ذلك تجنبا لوقوع اختلالات اقتصادية و/أو مالية يصعب التحكم فيها.

 في الدول الديمقراطية، يبقى البعد السياسي حاضرا بقوة في هذا المجال الحيوي،  مما يمكن من بلورة اختيارات تسمح بتسخير المالية العامة لصالح أهداف تنموية بمفهومها الواسع.

إن التوازن المالي، سواء تعلق الأمر بطبيعته أو بحجمه، يجسد بالفعل التزام الجهاز التنفيذي أمام البرلمان بالعمل في هذا الاتجاه. و العمل في هذا الاتجاه يعني أيضا تعهد الحكومة بتقليص الفجوة المالية و تحديد طبيعتها و ذلك لتفادي أولا: مخاطر اللجوء إلى وسائل التمويل التضخمية و ما يمكن أن ينجم عن ذلك من تأثيرات سلبية على توزيع الدخل و ميزان الأداءات و القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني؛وثانيا : منافسة المستثمرين الخواص  و المقاولات العمومية في الحصول على القروض  و رفع تكلفتها.    

(4) - في المغرب، يختلف المنظور الرسمي للتوازن المالي، من حيث الشكل و المضمون، على ما هو عليه الحال في الدول الديمقراطية. إن التوازن المالي الأصلي (أو المعدل) يكتسي أولا طابعا مغشوشا، بفعل تدابير و صفت بالتقنية، و كان لها تأثير على طبيعته وحجمه. وهو يتسم أيضا بطابعه المؤقت. لقد خصص القانون التنظيمي للمالية  ، فعلا مكانة مركزية لمبدأ التوازن المالي، إلا أنه في نفس الوقت يتضمن جملة من المقتضيات ، تضرب في العمق هذا المبدأ الذي  فقد بذلك  مدلوله الحقيقي كمؤشر مرجعي لضبط نشاط الدولة في ميدان السياسة المالية و التأكد من أنه مطابق لما تقتضيه المصلحة العامة.

             

 I -   الطابع المغشوش للتوازن المالي الأصلي (أو المعدل)

  

إن التوازن المالي الأصلي (أو المعدل) مرتبط بقانون المالية للسنة( أو قوانين المالية المعدلة له)، الذي ينشر بالجريدة الرسمية.  و بما أن التوازن المالي الرسمي أو المرجعي يحظى بموافقة البرلمان بغرفتيه، فمن المفترض أن تتوفر فيه شروط المصداقية كاملة غير منقوصة. في الواقع، إن هذا المؤشر الذي يجمع الكل على أهميته، لم يسلم في المغرب من عمليات التنشيط، حيث إن التحايل على القواعد الأساسية التي تحكم المالية العامة في كثير من دول المعمور أصبح من مميزات نشاط الجهاز التنفيذي ببلادنا.

و بالرغم من تنوعها، فإن الأساليب المعتمدة يقصد منها إما تقليص " تكاليف الدولة" (المادة 12 من القانون التنظيمي للمالية 1998) و إما تضخيم "موارد الدولة" (المادة 11من نفس القانون) و إما بلوغ الهدفين معا.  و لأن الغاية تبرر الوسيلة، فإن العمل في هذا الاتجاه يترتب عليه تقليص الحجم المطلق و/أو النسبي لرصيد "زيادة التكاليف على الموارد" و تغيير طبيعته.  و  كلما كان هذا الرصيد السلبي ضعيفا،  كلما ساد الاعتقاد بأن الجهاز التنفيذي لن يواجه صعوبات للتحكم في التوازنات المالية و الاقتصادية الأساسية، وكذا بأن وضعية المالية العامة المرتقبة تبعث على الثقة. هكذا يتم التخطيط  لإرسال إشارات ايجابية الهدف منها طمأنة"نواب الأمة" و قبل ذلك كسب ود المؤسسات المالية الدولية و أعضاء نادي باريس ونادي لندن.

 

 

أ. أساليب تقليص"تكاليف الدولة"

 

يصعب حصر طرق التقليص المقصود ل"تكاليف الدولة" التي تأخذ بعين الاعتبار في تحديد التوازن المالي العام. منها ما هو عرضي أو مؤقت ومنها ما هو طويل الأمد. والقاسم المشترك بينها هو أنها تظل من باب المسكوت عنه. وتمثل "تكاليف الدولة" المرتبطة بنظام المعاشات و التأمين الصحي لمستخدمي الوظيفة العمومية أبلغ حالة يتوجب الخوض فيها، حيث تصنف الإعتمادات التي توظف لهذا الغرض كنفقات تسيير في باب التحملات (أو التكاليف)المشتركة الجارية.  رسميا، توازي نسبة اشتراك الدولة كمشغل نسبة اشتراك الموظف في تمويل الإعتمادات المحولة لصالح الصندوق المغربي للتقاعد  و الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي. إلا أن الواقع يختلف فيما يخص حصة الدولة. فإلى غاية شهر يونيو 1996، بدل برمجة حصتها بالكامل في كل قانون مالية للسنة، تكتفي الدولة بتحديد المبلغ المتوقع لسد عجز التمويل الجاري فقط لكل من صندوق التقاعد و الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي. ففي الفترة الممتدة بين 1989 و 1995 وحدها، كان المبلغ المرتقب تحويله سنويا لصالح الصندوق المغربي للتقاعد يقل في المعدل ب 1,2 مليار درهم عن المبلغ الذي يتوجب على الدولة دفعه في حالة احترام القانون. وحسب ما جاء في تقرير أعده المكتب الدولي للشغل حول التغطية الاجتماعية بالمغرب (1994)، لم يتجاوز المبلغ المحول سنة 1993 لفائدة الصندوق المغربي التقاعد ، برسم حصة الدولة  30 في المائة من المبلغ القانوني(1,7/0,51 مليار درهم). و قبل قانون المالية لسنة 1997/1996 لم يكن هناك ما يوحي بان تحويلات الدولة ، بهذا الخصوص تظل دون ما ينص عليه القانون. وهذا يعني أن الجهاز التنفيذي لا يقيم وزنا لقواعد الشمولية و الصدق، التي تعد من أهم المبادئ التي ترتكز عليها المالية العامة وتضمن شفافيتها. إن تدبيرا من قبيل ما يصطلح عليه ب"القمع المالي" تمخض عنه تقليص مفروض لرصيد "زيادة التكاليف على الموارد"، و كل نتيجة أمكن الحصول عليها بهذه الطريقة المخالفة للقانون إلا وتكون عواقبها وخيمة. إن الوقع السلبي لهذا الشكل من التدبير بدا واضحا على الوضعية المالية لصناديق التقاعد و الاحتياط الاجتماعي، وبالتالي على جودة و نوعية الخدمات التي تقدمها هذه الصناديق للمنخرطين فيها.

إن إضعاف قدرة هذه المؤسسات المهمة، على تلبية حاجيات أساسية لمستخدمي الوظيفة العمومية، يعيق بدوره السير العادي لمرافق الدولة، و يحد من فعاليتها.                لقد انتظرت الدولة حوالي نصف قرن (من1956 إلى  2005 ) ليتقرر بعد جدل قانوني عقيم و هيكلة على وجه السرعة للمؤسسات المذكورة ، تسديد ما تراكم على الإدارة من متأخرات برسم التقاعد و التغطية الصحية.

بالفعل، خصص قانون المالية لسنة 2005 غلافا ماليا  يبلغ11 مليار درهم  بهدف تصفية متأخرات الدولة إزاء الصندوق المغربي للتقاعد. وهذا الإجراء لا يمكن إلا تثمينه. و مع ذلك يبقى محط عدة تساؤلات.                   

 التساؤل الأول يتعلق بحجم المتأخرات. فأغلب الظن أن مبلغ المتأخرات المعترف به يبقى دون المبلغ الحقيقي. وبما أن الأمر يهم مصالح مستخدمي الإدارة، فإن تكوين لجنة مختصة منبثقة عن مجلس المستشارين لضبط المبلغ الحقيقي و التصديق عليه يعتبر أمرا ضروريا. و إذا كانت الإدارة صادقة في نواياها، فلن تجد مانعا في دعم هذا الاقتراح وتسهيل مهمة اللجنة البرلمانية. إن كلما هناك هو أن البنك الدولي ، الذي يعد الأكثر إطلاعا على الوضعية الاقتصادية و المالية و الاجتماعية للمملكة المغربية، حصر في وثيقة "غير قابلة للنشر" مبلغ متأخرات الدولة حيال الصندوق المغربي للتقاعد في 2  مليار دولار تقريبا، أي ما يناهز20 مليار درهم ( 10 دراهم مقابل دولار واحد بسعر صرف 1999). كما أن مديرية المؤسسات و المساهمات العمومية سبق لها هي الأخرى أن حددت سنة 1996 هذا المبلغ مابين 14 و 15 مليار درهم ، لكن دون أن يكتسي طابعا رسميا أو أن يشمل جميع أشكال المتأخرات.وتتجه معطيات مديرية السياسة الاقتصادية العامة  تسيير في نفس الاتجاه إذ تفيد بأن حجم متأخرات الإدارة  إزاء الصندوق المغربي للتقاعد بلغ 8,4 مليار درهم في ظرف سبع سنوات فقط ( من 1989 إلى 1995 ).          التساؤل الثاني يكرس الطابع الانتهازي لتصرف الإدارة،  و يتعلق بامتناعها عن تأدية غرامات التأخير في تسديد مستحقات صناديق التقاعد و التغطية الصحية. فتراكم المتأخرات إلى غاية 2004 كبد خسائر جسيمة للصندوق المغربي للتقاعد على الخصوص الذي حرم من توظيفها، مما تعذر معه تحصين وتحسين  وضعيته المالية ، و التحضير بجدية و دون مخاطرة ،  لمخطط الإحالة المبكرة على التقاعد(الذي كان من المفروض أن يهم أولا  عشرات آلاف المستخدمين العموميين الدين يتم تسخيرهم- في غياب قانون يبيح ذلك- للسهر على راحة عائلات كبار الموظفين بدل أن يكونوا في خدمة المواطنين القرويين منهم و الحضريين). 

التساؤل الثالث  يرجع بنا إلى سنة 1999. فخلال هذه السنة، أقدمت الدولة على تسديد أنواع من السلف التعاقدية لبنك المغرب بتكلفة مالية مرتفعة( هذه الأنواع من السلف التي بلغت 6 مليار درهم تم تقديمها سنة 1995).

 السؤال الذي ينبغي إثارته بهذا الشأن، هو ما إذا كانت هذه العملية المكلفة جدا ، ضرورية للحفاظ على التوازنات المالية و/أو الاقتصادية الأساسية حتى تشكل أولوية في ذلك الوقت أم أنها فرضت على المغرب من جهات أجنبية دون نقاش؟ مهما يكن من أمر، فإن تأخير القيام بهذه العملية كما حصل في السابق و إعطاء الأسبقية لتسديد جزء من متأخرات الدولة إزاء الصندوق المغربي للتقاعد كان من شأنه أن يجنب المالية العامة مصاعب جمة، المغرب في غنى عنها، و يحد من تأثيرها السلبي على التنمية الاقتصادية و الاجتماعية.      

التساؤل الأخير يهم عملية تصفية المتأخرات نفسها. هل يمكن اعتبارها عملية تسديد فعلية بحيث يصبح  إذ ذاك بمقدور الصندوق المغربي للتقاعد توظيف مبلغ 11 مليار درهم طبقا لما تمليه عليه المصلحة العامة. وبما أن وزارة المالية  والخوصصة   ما زالت تتعامل  مع الصندوق المغربي للتقاعد بالعقلية القديمة و تعتبره مجرد مصلحة إدارية، فإن السيناريو المبرمج أريد له أن يستجيب بالأساس لحاجيات تمويل الخزينة العامة. إن توظيف مبلغ تصفية المتأخرات على شكل سندات للخزينة متوسطة الأجل، مقابل نسبة فائدة معينة يبقي إشكالية التسديد الفعلي مطروحة كليا أو جزئيا و لو تعلق الأمر بسندات مرخص بتداولها في بورصة القيم بالدار البيضاء أو/و من النوع الذي يسدد بالأقساط على رأس كل سنة، الشيء الذي لم يتأكد بعد. و الحالة هذه، من يضمن بأن وضعية المالية العامة في أفق 2010 ستسمح بالتسديد الفعلي؟ أنجع حل كان من الممكن أن يقع عليه الاختيار لو توفرت إرادة سياسية قوية هو تخصيص16 في المائة من رأس مال شركة اتصالات المغرب للصندوق المغربي للتقاعد بدل فيفاندي عبر عملية مقايضة. ومن يدري، ربما بدأ من الآن التفكير(في) و التخطيط  لتفويت قطاع التقاعد نفسه لفيفاندي/فورتو…؟ إن الاقتناع السائد لدى نخبة من الأطر العليا و الجامعيين المغاربة هو أن وزارة  والمالية  والخوصصة تفكر و تعمل بمنطق 1906 لا بمنطق 1956 أي منطق"الجهاد الأكبر"الذي كم نحن بأمس الحاجة إليه.      

 

ب. أساليب تضخيم "موارد الدولة"

 

 

يعد تضخيم "موارد الدولة"  هو الآخر هدفا مرحليا غير معلن عنه لتقليص رصيد "زيادة التكاليف على الموارد". وتكتسي هذه الطريقة عدة أشكال أهمها تلك المتعلقة بإيرادات الخوصصة و حصيلة الاقتراضات. 

 

1- عائدات الخوصصة

 

يعود إدماج هذا النوع من المداخيل في قائمة موارد الدولة إلى سنة 1992 ، حيث كان مرتقبا أن تنطلق رسميا عملية الخوصصة. لقد جاء هذا القرار متزامنا مع انتهاء العمل  بإعادة جدولة المديونية الخارجية التي تدخل في هذا الإطار(1983-1992). و الجدير     بالذكر أن الموارد الاستثنائية المرتبطة بعملية إعادة الجدولة كانت تساهم بنسب عالية في تمويل عجز الموازنة العامة للدولة.

 إن القانون التنظيمي للمالية لا ينص بالتحديد على عائدات الخوصصة ، وعلى العكس من ذلك ، يتضمن قانون المالية للسنة (أو قوانين المالية المعدلة له)  فضاء خاصا بهذا الصنف من الموارد. إلا أنه قبل 1992 كان يشار إليها للتذكير فقط  ، مع أن هذه الفترة عرفت عدة عمليات للخوصصة ، تم الحسم فيها دون سابق إعلان و لم توفر للدولة إلا مبالغ هزيلة اعتبارا لثقل أهم المؤسسات التي أصبحت ملكا للمجموعات " مصالح خاصة" محلية، تغيرت تسميتها هي الأخرى  مند 2000/1999 ، حيث استقر الرأي على تعريفها ب"حصيلة تفويت مساهمات الدولة" عوض "حصيلة بيع الأسهم".             خلال العشرية الأولى (2000/1999//1992) ، تراوح الحجم المتوقع لهذه الموارد  ما بين مليار و خمسة ملايير درهم وبين 1,2 إلى 3,1 في المائة بالمقارنة مع مجموع موارد الدولة التي يتضمنها "جدول التوازن العام". و خلال النصف الأول من العشرية الحالية (2005/2001) عرف هذا الصنف من الإيرادات ارتفاعا ملموسا، حيت بلغ 21,3 مليار درهم سنة 2001 ، و استقر في حدود 12,5/12,0 مليار درهم بعد ذلك (2005/2002)، مما مثل 12,9 إلى 6,5 في المئة من مجموع موارد الدولة المشار إليها أعلاه.

إن اعتبار موارد الخوصصة كمكون من مكونات موارد الدولة في مجملها دون تمييز، ينتج عنه في جل الأحيان تقليص رصيد "زيادة التكاليف على الموارد" بنفس المبلغ المتوقع كل سنة   ( في سنة 2001، سجل فائض في الموارد بالنسبة للتكاليف).

و مما لا شك فيه، أن هذه الطريقة تبقى مخالفة للقواعد المنمطة التي توصي المؤسسات الدولية باحترامها تجنبا لانحرافات مالية محتملة و تصرفات غير مسئولة. إن التخوف الذي عبرت عنه جهات مطلعة أصبح حقيقة منذ 1995 على الخصوص، حيث تغيرت طبيعة موارد الخوصصة ، و بدأ  ينظر إليها خطأ على أنها إيرادات متجددة.  فإلى غاية 1994 كانت تصنف كموارد استثنائية ("الموارد الاستثنائية و حصيلة الاقتراض").  لكن مند 1995 فقدت هذه الصفة و ذلك خلافا لما هو عليه الحال في الدول الديمقراطية.

إن  تحولا من هذا القبيل يعتبر إشارة واضحة للتعامل مع موارد الخوصصة و كأنها موارد قارة و نهائية، الشيء الذي يعد مغامرة ، بالنظر إلى ضعف نفقات الاستثمار، و غياب نظام محاسبي إرثي ، و ما يمكن أن يترتب عن استمرار هذه الوضعية من تبعات سلبية على أمن المغرب الاقتصادي و المالي و الاجتماعي. و الدليل على ذلك هو أنه منذ 1995 على العموم، لم تستطع موارد تفويت المؤسسات العمومية ذات المردودية العالية للقطاع الخاص أن  تؤثر إيجابا على نفقات الاستثمار المتوقعة في موازنة الدولة ، بينما كان تأثيرها جليا ، فيما يخص نفقات التسيير المرتقبة التي ارتفع حجمها، و تعززت مكانتها باستمرار، دون أن يتحسن أداء الإدارة التي ما زالت تشكل عائقا هيكليا رئيسيا في وجه التنمية المستدامة.

 

 

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : دراسات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “التوازن المالي وطغيان ثقافة الأمر الواقع”

  1. السلام عليكم

    اين اجد محتوى قانون المالية و هياكله في هذا الموقع.

    شكرا



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر