السكر : هل هي معالم أزمة في الأفق ٢
كتبهاabdfettah sadiki ، في 27 يونيو 2007 الساعة: 17:23 م
قطاع السكر في المغرب : البداية والتطور
في بداية الاستقلال كان قطاع الصناعة السكرية يتكون من ثلاث وحدات للتكرير تم إحداثها خلال مرحلة الاستعمار، منها وحدة »كوزيمار« المحدثة سنة 1929 بالدار البيضاء.
وخلال الفترة الممتدة من 1963 إلى 1984 تعزز هذا التوجه بإحداث 12 وحدة سكرية تتوزع على خمس مناطق لإنتاج الزراعات السكرية، تشمل الغرب واللكوس وتادلة ودكالة وملوية.
وظلت السلسلة لمدة طويلة خاضعة للتدبير من قبل الدولة حيث احتكرت استيراد السكر الخام عن طريق المكتب الوطني للشاي والسكر، واحتكرت تدبير الموسم الفلاحي للزراعات السكرية عن طريق المكاتب الجهوية للاستثمار الفلاحي، كما تدخلت الدولة في تحديد أسعار المواد الأولية من الشمندر السكري وقصب السكر، وسعر السكر الخام المعالج من قبل المصفاة المحلية، وكذا سعر السكر المكرر (المصفى) الذي يتم بيعه للمستهلك النهائي.
وفي هذا الباب يؤكد الحسن العاملي الأستاذ الباحث والإطار في القرض الفلاحي أن المغرب اعتمد نظام المقاصة من أجل تحمل الفارق بين كلفة الإنتاج المرتفعة بالمقارنة مع سعر البيع، حيث تعتبر مادة السكر أكثر دعماً من قبل الدولة مقارنة مع باقي المواد المؤسسة المدعمة، فعلى سبيل المثال وصل مبلغ الدعم المخصص للسكر سنة 2000 حوالي ملياري درهم، مقابل مليار و800 مليون للدقيق، و960 مليون درهم لزيت المائدة، وفي أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، وفي إطار برنامج التقويم الهيكلي، وسياسة التحرير، تخلت المكاتب الجهوية للاستثمار الفلاحي عن العمليات ذات الطابع التجاري والخدمات التي كانت تقدمها، ودخلت معامل السكر في التعامل مباشرة مع الفلاحين المنتجين للمواد الأولية، وبداية من سنة 1996 تم الشروع في تطبيق مجموعة من العمليات، تهم تحرير الواردات وإلغاء الاحتكار الذي كان يتمتع به المكتب الوطني للشاي والسكر، وحرية تحديد أسعار المواد الأولية وأساساً الشمندر والقصب، والتي تتم في إطار التفاوض بين معامل السكر والفلاحين، تم تغيير نظام المقاصة القديم الذي عوض بدعم جزافي يصل إلى 2000 درهم بالنسبة لكل طن من السكر الذي تم بيعه، ويتعلق الأمر بدعم للاستهلاك الذي عوض الدعم الموجه للإنتاج.
وحسب دراسة »لصوفي طوير« في موضوع الاقتصاد السياسي لإصلاحات قطاع السكر في المغرب فقد مولت الدولة المغربية ما بين 1963 و1984 عددا مهما من المشاريع من أجل تطوير قطاع السكر، حيث تم إحداث عشر وحدات للتحويل التي امتلكت فيها ما بين 60٪ و100 من الحصص، في حين كانت ثلاث وحدات مملوكة لكوسومار.
وخلال ثلاثين سنة ضخت الدولة المغربية ـ حسب »صوفي طوير« أموالا كثيرة في قطاع السكر وهو ما مكن من تلبية حوالي 65٪ من الحاجيات الوطنية، ومنذ سنة 1989 تم الحديث عن اصلاح للقطاع وتجاوز مظاهر العجز التي يتسم بها القطاع العمومي، وذلك في إطار المرحلة الثانية برنامج التقويم الهيكلي، إلا أن تنفيذ الإجراءات التي طالب بها البنك العالمي، والتي تهم رفع التقنين التدريجي عن الأسواق، اعترضه ترد وتحفظا من قبل السلطات العمومية.
ويعتبر البعد السياسي حاسماً في التعامل مع قطاع السكر في المغرب، حيث تبقى الصعوبات حقيقية أمام الاختبارات الاقتصادية وتغيير الأولويات السياسية.
وفي اعتقاد »طوير« لا يمكن القول ان الصعوبات التي يواجهها القطاع ذات طابع تقني صرف يمكن معالجتها بواسطة برامج المساعدة التقنية، إنما ذات أبعاد متعددة تتحكم فيها التوجهات السياسية وطبيعة التحالفات من قبل الفاعلين في الحقل السياسي المغربي.
تقهقر تغطية استهلاك السكر عن طريق الإنتاج الوطني
ويظهر أن معدل تغطية استهلاك السكر عن طريق الإنتاج الوطني من الموارد المحلية يعرف بعض التقهقر بين سنة وأخرى، فقد بلغ هذا المعدل خلال الفترة مابين 1976 و 1985 حوالي 61٪، وانخفض إلى 48٪ مابين 2000 و2002، وهو في حدود 47٪ في الوقت الراهن.
وينفي مسؤولو مجموعة كوسومار وجود أي أزمة تهدد قطاع السكر في المغرب، ويؤكدون أن هناك إمكانيات هائلة تتوفر عليها مناطق عدة، يمكنها أن تكون قوة رائدة للتنمية الاقتصادية الجهوية.
ويشير مسؤولو كوسومار إلى أن المغرب أنتج قصب السكر وصدر مادته طيلة عدة قرون، وكانت معامل السكر متمركزة بناحيتي سوس وشيشاوة ، حيث تنمى هذا القطاع مابين القرن التاسع والسابع عشر.
وتبرز المعطيات المرقمة للمجموعة في الوقت الراهن أن القطاع يشغل حوالي 80 فلاحا في مساحة مزروعة تصل إلى 90 ألف هكتار، تهم حوالي 65 ألف هكتار، من الشمندر، بمحصول يقدر ب 1،3 مليون طن، وحوالي 17 ألف هكتار من قصب السكر، بمحصول يقدر بحوالي مليون طن، ويوفر القطاع إضافة إلى ذلك 9 مليون يوم عمل من خلال العمل الموسمي.
ويوجد في المغرب حاليا معمل للتكرير و9 معامل للسكر، وقد أصبحت مجموعة كوسومار الفاعل الوحيد منذ سنة 2005.
ويبلغ الإنتاج الوطني للسكر الخام المكرر مابين 600 و650 ألف طن في السنة، في حين أن إنتاج سكر الشمندر والقصب يصل إلى 480 ألف طن في السنة، إضافة إلى 190 ألف طن من ثفل الشمندر و 200 ألف طن من عسل الشمندر في السنة.
ويتوزع الانتاج من السكر المصفى على 50٪ من السكر المحبب وحوالي 37٪ من السكر القالب، و 13٪ من السكر المقصص والمكعبات الصغيرة.
ويؤكد عبد الكريم أوخشي مسؤول الاستغلال في وحدة سونابيل التابعة لكوسومار بسيدي علال التازي أن نوع »القالب« موجود في المغرب فقط، وتعتبر كلفة إنتاجه مرتفعة جداً بالمقارنة مع باقي الأنواع. ويبرر أن القطاع خزان قوي للتشغيل ودر المداخيل وتقوية الاقتصاد الوطني، ولذلك حددت »كوسومار« برنامجا شاملا لإعادة هيكلة القطاع وتنمية قدراته على مستوى الانتاجية والمردودية والجودة والتنافسية، ويوضح أوخشي أن الهدف جعل وحدات سونابيل قاطرة لصناعة السكر بالمغرب، مشيراً إلى أن منطقة الغرب صالحة لزراعة الشمندر أكثر بالمقارنة مع الأحواض السقوية الأخرى بما فيها حوض تادلة الذي يعتبر من أهم المناطق السقوية في إفريقيا الشمالية، فالغرب خزان كبير وله مؤهلات هائلة في مجال صناعة السكر بالطرق العصرية.
ويوضح أوخشي أن كوسومار شرعت في تنفيذ استثمارات مهمة لإعادة هيكلة وتأهيل مختلف الوحدات، وبالنسبة لسونابيل فقد همت الاستثمارات أكث من 12 مليون درهم لتجديد وسائل الإنتاج التي لم يتم تجديدها منذ سنة 1968، وقال إن هناك مخططا شاملا ومتكاملا على المستوى التقني والاقتصادي بين وحدات معالجة قصب السكر الذي سيساهم في استغلال الطاقة وتقليص كلفة الإنتاج، ذلك أن القصب يمثل مادة أولية أيضا لإنتاج الطاقة، وهو بالضبط الذي يجعل إنتاج السكر في البرازيل أكثر تنافسية، وذكر أن تقادم المنشآت المائية وضعف التسيير في هذا المجال من أهم المشاكل التي تواجه القطاع، ولذلك أسرعت كوسومار مباشرة بعد اقتناء شركات السكر العمومية إلى صيانة وإصلاح بعض المنشآت المائية وضمان التزويد المستمر بمادة الماء، ووظفت في آخر أبريل 2006 حوالي 120 مليون لتحقيق هذا الهدف ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد، فقد بادرت المجموعة إلى الاستثمار في مجال قياس الحلاوة والأوساخ، حيث اقتنت آلة جديدة لأخذ العينات بمبلغ 370 مليون سنتيم ، كما أصبحت تتوفر على محطة مهمة لمعالجة المياه المستعملة قبل إلقائها في حوض سبو بهدف الحد من مظاهر التلوث، وقد تم تشغيل هذه المحطة منذ سنة 2006، وبلغت كلفتها مليار و 400 مليون سنتم. ويؤكد أوخشي أن الهدف الأسمى هو تحقيق الأمن الغذائي في هذه المادة الحيوية، ولذلك هناك استراتيجية واضحة ترتكز على برنامج إندماج الذي تعتمده المجموعة ككل، وأن الضرورة ملحة للانتقال من إنتاج السكر الخام إلى السكر النهائي الصافي.
وذكر الوزاني حدادي مدير جمعية منتجي النباتات السكرية قطاع السكر أ في المغرب تعتبر أحد القطاعات الاستراتيجية في السياسة الفلاحية في بلادنا وهو ما يفسر اهتمام الدولة به، حيث وظفت استثمارات ضخمة من أجل توفير الأرضية لصناعة وطنية في السكر.
وأوضح الحدادي أن أكبر تهديد قد يواجه القطاع هو النقص في الماء، والذي سيضر، في الواقع، جميع القطاعات المرتبطة بالفلاحة، ولذلك فإن جميع المتدخلين مطالبون بالعمل على ضمان التزود بهذه المادة الحيوية، وقال إن الضرورة تقتضي البحث المستمر عن وسائل جديدة لاقتصاد الماء، والعمل على صيانة مستمرة لشبكات الري وتوفير اعتمادات كافية لهذا الغرض، مبرزاً أن عملية الصيانة تقتضي توفير حوالي 200 مليون درهم على الأقل سنويا، في حين المبلغ الذي يتم توفيره لايتعدى 20 مليون درهم سنويا.
وتحدث الوزاني عن وجود خطر محْتمل قد يضر بالإنتاج الوطني من السكر، ويتمثل في المنافسة غير الشريفة التي قد تفرضها بعض الدول العربية اعتماداً على اتفاقيات التبادل الحر، وأشار إلى وجود مشكل آخر برز خلال السنوات الأخيرة ويتعلق بالاستنزاف الذي تتعرض له اليد العاملة المؤهلة في القطاع، التي أصبحت تفضل العمل بإسبانيا.
وأشار حدادي إلى وجود مشاكل أخرى منها على وجه الخصوص ضعف المكننة المرتبط بالتجزيء الصغير للاستغلاليات، حيث إن كل فلاح يستغل في المتوسط 2ر1 هكتار من الشمندر و 1ر1 هكتار في قصب السكر.
غياب التنسيق بين الوحدات في الماضي أدى الى تبذير الموارد وعدم تثمين الرأسمال العمومي
ويؤكد الأستاذ العاملي أن الوحدات التابعة للدولة ظلت لمدة طويلة تشتغل في غياب أي تنسيق في ما بينها، حيث إن حالة الانفصال منعت إمكانية التدبير الجيد للاستثمارات وللتزويد بالمواد الأولية المستهلكة، وتدير المخزون والموارد البشرية وقد أدى هذا الوضع الى تبذير الموارد وعدم تثمين الرأسمال العمومي الموجه لقطاع السكرو وتبرز وزارة الفلاحة أن تنمية القطاع السكري اعترضته العديد من المعوقات والإكراهات أهمها توفير السقي بخلاف معظم الدول المنتجة للنباتات السكرية، ومحدودية الطاقة التحويلية لمعامل السكر الموجودة ببعض المناطق، أمام معاناة معامل أخرى من نقص في التزويد بالمادة الأولية، ثم تدهور البنيات التحتية.. وخاصة المسالك الطرقية وغياب الوسائل الملائمة لنقل المنتوج داخل مناطق الإنتاج، وضعف التقنيات المرتبطة بالتسميد ومكننة العمليات الزراعية وشبكة الري ومحاربة الطفيليات، وضعف التنظيمات المهنية. وكانت وزارة الفلاحة في عهد حبيب المالكي خلال المناظرة الوطنية للفلاحة والتنمية القروية المنعقدة بالرباط خلال يومي 19 و 20 يوليوز 2000، تحدثت عن بلورة استراتيجية لتنمية السلسلة السكرية، ترتكز على تآزر وتعاون بين مختلف الفاعلين بالسلسلة ، وتهيىء الظروف الفلاحية الملائمة لتنمية الزراعات السكرية عن طريق تخصص المناطق حسب مؤهلاتها وامتيازاتها، وترشيد استعمال مستلزمات الإنتاج والرفع من الانتاجية، مع التأكيد على أن تنافسية السلسلة السكرية تجاه الواردات على المدى البعيد لن يتأتى تحقيقها إلا بعد إرساء إجراءات خاصة لدعم المنتوج الوطني لتحقيق مساهمته في ضمان الأمن الغذائي للبلاد من مادة السكر.
وتوقعت خلاصات المناظرة استمرار ارتفاع استهلاك السكر في أفق سنة 2020، ارتباطا بالنمو الديمغرافي ، حيث من المتوقع أن يصل سكان المغرب إلى حوالي 40 مليون نسمة.
وتقدر حاجيات الاستهلاك الوطنية من السكر حسب الخبراء، بحوالي 960 ألف طن اعتمادا على فرضية ترتكز على تطور دخل الأسر والأسعار، وبحوالي مليون و 280 الف طن اعتمادا على الفرضية الغذائية التي تأخذ بعين الاعتبار تطور الاحتياجات الغذائية في إطار تغذية متوازنة.
ويقدر الإنتاج المرتقب من النباتات السكرية على الصعيد الوطني في أفق 2020، بحوالي 5,7 مليون طن من الشمندر و 2,7 مليون طن من قصب السكر، ويبلغ الإنتاج المرتقب من السكر حوالي 972 الف طن أي بزيادة 115٪ بالمقارنة مع الانتاج المسجل سنة 1999، وتبلغ مساهمة الشمندر وقصب السكر على التوالي 74٪ و 26٪. وعلى هذا الأساس يمكن الإنتاج الوطني من تغطية الحاجيات الداخلية بنسب تراوح ما بين 76٪ و 101٪.
ويقول الأستاذ العاملي أن تحقيق هذه الأهداف ظل مشروطا منذ أواخر السبعينيات من القرن الماضي بعدد من الإجراءات المتعلقة بالتجهيزات التحتية، وتحسين ظروف الإنتاج، والإجراءات التنظيمية التي تهم، أساسا ، تقوية التنظيم المهني للمنتجين، والإجراءات المتعلقة بالمناخ المؤسساتي والاقتصادي، والتي تشمل حماية الإنتاج الوطني من المنافسة الخارجية، وملاءمة أسعار إنتاج الزراعات السكرية، والإسراع بخوصصة معامل السكر الوطني، مع مساعدة المنتجين لاقتناء أسهم في رأسمالها، وهو الذي ظل معلقا الى حدود غشت 2005، حيث تحقق مسلسل تفويت المعامل لفائدة شركة كوسومار بمبلغ مالي إجمالي يصل الى مليار و 367 مليون درهم، ولكن دون اشراك المنتجين في هذه العملية.
ويشير المتتبعون الى أن الطاقة الإنتاجية، بالنسبة لقطاع السكر لم تعرف، لمدة طويلة، أي توسع مهم، سواء على مستوى إنتاج السكر الخام، أو على مستوى التكرير.
وبالنسبة لكوسومار التي تهيمن على سوق السكر، وتتوفر على الوسائل المالية الكافية، فإنها في نظر الأستاذ العاملي، غير مستعدة حتى الآن للقيام باستثمارات مهمة لتوسيع الطاقة الإنتاجية، لأنها تعتبر أن تطور نشاطها يواجهه إكراهان أساسيان، الأول حالة الإشباع التي وصل إليها الاستهلاك الوطني من السكر، والثاني يتمثل في عدم الشروع في تحرير السلسلة، حيث أن الثمن عند الاستهلاك استمر في الخضوع للتقنين، وأكثر من ذلك أنه لم يعرف أي تغيير منذ 1989

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : تحقيقات | السمات:تحقيقات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























