السكر : هل هي معالم أزمة في الأفق ١
كتبهاabdfettah sadiki ، في 27 يونيو 2007 الساعة: 05:09 ص
تحقيق : عبدالفتاح الصادقي
لم تكن صناعة السكر في المغرب وليدة القرن العشرين ، بإحداث وحدة كوسوما سنة 1929 ، التي ستصبح كوسومار سنة 1967 ، وإنما تعود إلى عهد قديم ، حيث تطورت بشكل كبير مابين القرن التاسع والسابع عشر ، وأصبح المغرب مركزا مهما لإنتاج وتصدير مادة السكر على الصعيد العالمي في ذلك الوقت ، إلا أن هذه الصناعة تعرضت مع الزمن للتقهقر والتراجع ، ولكن مع ذلك بقيت التقاليد المرتبطة بستهلاك هذه المادة مترسخة في المجتمع ، خصوصا بالنسبة لنوع القالب الذي يتفرد به المغاربة ويستهلكون منه حوالي 550 ألف قطعة في اليوم ، يرتبط الإقبال على هذا النوع بسبب سهولة نقله وتخزينه وقدرته على المقاومة لمدة أطول ، ويعتبرسكان المناطق النائية والعالم القروي أكثر استهلاكا له .
ويبدو أن مادة السكر بدأت تفقد حلاوتها ، خصوصا مع » تذوق « المواطنين لمرارة الغلاء ، ارتباطا بالزيادات المستمرة في الأسعار ، حيث ارتفع سعر الكلوغرام الواحد من السكر حوالي أربع مرات خلال العقود الأخيرة . كما أن هذه الصناعة التي دعمتها الدولة بأموال الشعب طيلة العقود الماضية تواجهها العديد من الصعوبات ، بل هناك من يتحدث عن أزمة حقيقية قد تعصف بالمكتسبات التي حققها القطاع إذا لم يتم اتخاذ التدابير اللازمة لمواجهة التقلبات المناخية وارتفاع الأسعار على الصعيد العالمي ، والانعكاسات الناتجة عن اتفاقيات التبادل الحر وغيرها ..
فماهو إذن ، موقع قطاع السكر ضمن الاقتصاد الوطني بشكل عام ؟ وماهي أهم التحديات التي تواجهه ؟ ومن هم المتدخلون فيه ؟ وماذا سيحصل بعد استبدال الاحتكار العمومي عن طريق الدولة ، باحتكار الخواص من خلال مجموعة كوسومار ؟ وكيف يمكن تفسير الصراع الدائم بين الفلاحين والمعامل بخصوص تحديد نسبة الحلاوة والأوساخ ؟ وماهو مصير المستهليكن والمنتجين أمام التحولات الأخيرة ؟ وكيف يمكن توفير الشروط الضرورية لضمان الاكنفاء الذاتي أو السيادة الغذائية بتعبير محمد فكرات الرئيس المدير العام لكوسومار ؟
إنها مجموعة من الأسئلة سنحاول ، في هذا التحقيق ، إيجاد أجوبة لها ، اعتمادا علي زيارات ميدانية ولقاءات مع عدد من المتدخلين والخبراء .
المغاربة يستهلكون السكر أكثر من الصينيين
تفيد المعطيات والإحصائيات المتوفرة أن مادة السكر من المواد الغذائية الأساسية المستهلكة من قبل الأسر المغربية، حيث يعتبر المغرب من بين البلدان الأكثر استهلاك لهذه المادة الحيوية، ويفوق متوسط الإسهلاك الفردي في المغرب 34 كلغ في السنة، وهي نسبة مرتفعة مقارنة مع متوسط الإستهلاك العالمي الذي يصل إلى 20 كلغ لكل فرد سنوياً، ولايتجاوز هذا المعدل 7 كلغ لكل مواطن سنويا في دولة كبرى كالصين التي يتلذذ سكانها لشرب الشاي دون الحاجة إلى سكر.
ويقدر حجم استهلاك السكر في المغرب في الوقت الراهن بحوالي مليون و300 ألف طن مقابل 915 ألف طن في سنة 1999، وحوالي 400 ألف طن في سنة 1970، وقد بلغت الزيادة السنوية خلال الفترة الممتدة من 1970 إلى 1999 بحوالي 2٪ وتصل في الوقت الراهن إلى حوالي 1.8٪
وقد ظل تنظيم إنتاج وتسويق الزراعات السكرية إلى وقت قريب، يخضع لمجموعة من المتدخلين منهم المصالح المركزية لوزارة الفلاحة والتنمية القروية. ووزارة الصناعة والتجارة، والمكاتب الجهوية للاستثمار الفلاحي للغرب واللوكوس ودكالة وتادلة وملوية، باعتبارها المكلفة بتدبير ماء السقي وتأطير المنتجين، ومعامل السكر التي تقوم بتحويل منتوج النباتات السكرية وتمويل وتزويد المنتجين بمستلزمات الانتاج والمساهمة في تأطيرهم، وأخيراً الشركات التجارية والخدماتية التي تقوم بتسويق مستلزمات الإنتاج، وربما عرف هذا التنظيم توزيعاً جديداً للأدوار خلال المرحلة المقبلة خصوصا بعد أن رفعت الدولة يدها عن القطاع وأصبحت مجموعة كوسومار التابعة لأونا مسيطرة بالكامل على صناعة السكر ف المغرب.
وحسب مصالح وزارة الفلاحة، ظلت عملية تسويق محاصيل النباتات السكرية تتم من قبل معامل السكر التي تقوم بشراء ونقل مجموع هذه المحاصيل، بتنسيق مع الأطراف الأخرى المتدخلة، حيث يشترط في المنتوج المسلم أن يكون خالصاً وتجاريا، ويتم تحديد وزن المحصول ونسبة الأوساخ والحلاوة من السكر، على صعيد مراكز الاستقبال بالمعامل، بمشاركة ممثلي المنتجين، وهي العملية التي ظل الفلاحون يشككون في نتائجها رغم التطور الكبير الذي سجل على مستوى المعدات والمختبرات التي أنشئت لهذا الغرض، حيث أصبحت عمليات قياس نسبة الحلاوة والأوساخ تتم اعتماداً على نظام المعلومات.
ومن النقط الشائكة في زراعة النباتات السكرية الركود المستمر في الأسعار، فإذا كانت الدولة نهجت سياسة تشجيع المنتجين وتحفيزهم على ممارسة هذه الزراعة، حيث قامت إلى حدود سنة 1995 بمراجعة أثمنة هذه النباتات عند الإنتاج بالموازاة مع التغييرات والتطورات التي تعرفها تكاليف عوامل الإنتاج، فإنها أغفلت ذلك فيما بعد، فقد ارتفعت الأثمنة من 60 درهماً للطن سنة 1963 إلى 325 درهم للطن سنة 1996 بالنسبة للشمندر ومن 59 درهماً للطن سنة 1973 إلى 220 درهم للطن سنة 1996 بالنسبة لقصب السكر، إضافة إلى استفادة بعض المناطق من منح أخرى، إلا أنه منذ الموسم الفلاحي 1996/695 لم تعرف الأثمان أي زيادة بالرغم من الارتفاع الكبير الذي عرفته أسعار عوامل الإنتاج بمختلف أنواعها.
ويقول الخبراء إن المناخ الاقتصادي المرتبط بالسلسلة السكرية يرتبط بالتزامات المغرب تجاه المنظمة العالمية للتجارة، حيث تم تعويض كل الإجراءات غير التعريفية بإجراءات تعريفية، فقد حددت التعريفات الخاصة بمادة السكر، في إطار اتفاقية الكات، في مستوى 221٪ مع برمجة تخفيضها تدريجيا بنسبة 2.4٪ سنويا لمدة 10 سنوات، لتصل إلى مستوى 168٪ سنة 2004. وقد تم وضع نظام تعريفي عند الحدود، انطلاقا من شهر يونيو 1996، يرتكز على ثمن السكر عند الاستيراد وتكاليف الشحن والثمن المستهدف.
وتشير مصالح وزارة الفلاحة إلى أن التعريفات الجمركية عرفت مراجعة من قبل الدولة منذ سنة 1997، تبعا للتغييرات التي عرفتها الأسعار عند الاستيراد من حيث تدولات السوق العالمية وسعر الدولار، إلا أنه تبين أن النظام التعريفي المطبق يتسم ببعض الصلابة، الشيء الذي تطلب معه وضع نظام تعريفي جديد، انطلاقا من بداية سنة 1999، وهو النظام الذي يرتكز على مستويات تناقصية، حسب مستوى الثمن عند الاستيراد تدريجيا، قصد استهداف ثمن عند الاستيراد حدد في 4700 درهم للطن.
وقد تقرر منذ سنة 1996، تحرير أسعار الزراعات السكرية عن الإنتاج، وأسعار منتوجاتها الثانوية وخاصة الثفل والميلاص وكذا أثمان بيع السكر الخام والمصفى من قبل معامل السكر والتكرير، بالإضافة إلى هوامش التكرير والتسويق من قبل تجار الجملة ونصف الجملة والباعة بالتقسيط، أما بخصوص أسعار السكر عند الاستهلاك فقد قرّرت الدولة مواصلة تقنينها مع وضع دعم جزافي في حدود 2000 درهم للطن من السكر يؤدى عند البيع، ووصل الغلاف المالي المخصص لدعم السكر في الوقت الراهن إلى حوالي مليارين و350 مليون درهم ممولة عبر المعادلات التعريفية ب 280 مليون درهم ودعم الميزانية العامة بمليارين و70 مليون درهم حسب معطيات قانون المالية للسنة الجارية.
وكانت الحكومة قامت سنة 2006 بإلغاء المعدلات الجمركية المفروضة على السكر بعدما ارتفع سعره في الأسواق العالمية، للحفاظ على استقرار بيع السكر للمواطنين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : تحقيقات | السمات:تحقيقات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























