القتل الجماعي والعطف القضائي

كتبهاabdfettah sadiki ، في 8 يونيو 2007 الساعة: 20:12 م

القتل الجماعي والعطف القضائي

يبدو أن برنامج محاربة الجرائم التي ترتكب عبر الطرق، يتسم بالبطء وربما بانعدام الجدوى، كما هو شأن باقي البرامج التي تعلن عنها الجهات الرسمية في أكثر من مناسبة. ولا شك أن هذا البطء تتحكم فيه العديد من العوامل من أبرزها ضعف فاعلية المتدخلين في شبكة حركة المرور عبر مختلف حلقاتها ، بدءا من المصالح المختصة بتسليم رخصة السياقة ، ومرورا بأجهزة الأمن الطرقي ، ووصولا إلى القضاء الذي من اختصاصه الفصل في نزاعات حوادث السير . وربما وصل الأمر إلى حد تواطؤ بعض هذه الأجهزة عبر التسامح مع المخالفين، وتشجيع الاستمرار في ارتكاب الحماقات القاتلة. فكم من رخصة تسلمها صاحبها دون تمكنه من معرفة المبادئ الأولية للسياقة ؟ وكم من محضر للضابطة القضائية تم تحريفه أو إخفاؤه تحت تأثير المغريات ؟ وكم من حكم قضائي استعمل فيه الاجتهاد حد الإفراط لفائدة المتسببين في حوادث السير حتى وإن كانت الحصيلة قتلى ومعطوبين ؟

الواقع أن الخلل بنيوي يصعب معالجته بتوجيه أصابع الاتهام للسائقين وحدهم … والأمثلة عديدة على هذا الواقع المختل .

في أحد أيام الصيف الماضي ، كان أحد المقاولين بالدار البيضاء وراء حادثة سير مميتة، تسببت في قتل  ثلاثة أشخاص من عائلة واحدة وجرح اثنين من عائلة واحدة ، ومع ذلك نال الضنين عطف ورأفة القضاء ، حيث حكمت عليه المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء القسم الجنحي التلبسي بشهر حبسا نافذا مع أخذ إجازة لمدة ثلاثة أشهر معفاة من السياقة لوجود خصتها لدى وزارة النقل ، لأن الاجتهاد القضائي ارتأى ذلك ! ولولا يقظة دفاع الضحايا والخوف من الفضيحة لأغمضت العدالة عيونها التي لا تنام في مرحلة الاستئناف .

وإلى القراء وكل من يهمه الأمر الحيثيات والمعطيات التي تولد عنها هذا الاجتهاد القضائي النموذج استنادا إلى محاضر الضابطة القضائية : في يوم 8 – 8 – 2005   حمل  أحد المواطنين أفراد عائلته في سيارة سياحية بعد أن استكمل إجراءات الصيانة وحمل المتاع ، وانطلق  من الدارالبيضاء نحو مسقط رأسه بقيادة أكلموس في منتصف الليل ، لكنه فواجئ بعد فترة وجيزة بصدمة عنيفة من الخلف راح ضحيتها أبوه وزوجته وابنه ، وأصيب هو وأمه بكسور ورضوض تطلبت العلاج لمدة طويلة . وتبين أن الذي تسبب في الحادثة كان مخمورا ، حث ظل يكافح داخل إحدى الحانات من الحادية عشرة صباحا إلى الثانية عشرة ليلا، وبعدها تاهت به سيارته الرفيعة في شوارع البيضاء ، لتصطدم أخيرا بسيارة العائلة المغلوبة على أمرها فيقع الذي وقع  . إلى حدود الآن تظهر الأمور وكأنها عادية جدا . لكن ما سيقع في المحاضر وأمام القضاء تطرح حوله علامات استفهام كبيرة. فرغم أن  الضنين اعترف بأنه كان في أعلى درجات السكر الطافح ، وبان له سابقة قضائية في السكر العلني حوكم من أجلها ، ورغم أن وكيل الملك تابعه من أجل السكر العلني البين والسياقة في وضعية غير ملائمة والإفراط في السرعة وعدم تقديم أوراق السيارة والسياقة دون رخصة وانعدام التأمين والقتل الخطأ ، وهو ما يستوجب عقوبة تصل في حدها الأقصى إلى عشر سنوات وألفي درهم غرامة ، فإن الاجتهاد القضائي حكم على الضنين بشهر حبس نافذ فقط  مع تمتيعه بظروف التخفيف نظرا لظروفه الاجتماعية ، في حين أن الحكومة تؤكد باستمرار ضرورة الضرب" بيد من حديد" وعدم التسامح مع مقترفي حوادث السير القاتلة !

كيف والحالة هذه تسمح المحكمة حامية المجتمع من مجرميه ومن مخالفي قوانينه وسلطته أن تتساهل مع هذه الحالة ؟ وماهي دواعي تمتيع صاحبها بظروف التخفيف ؟ ألا يدفع ذلك إلى التساؤل عن مصداقية استقلالية القضاء في هذه النازلة ؟ وماهي طبيعة الحكم لو كان الأمر يتعلق بشخص آخر غير ذي حظوة ؟

إن دؤر العدالة أساسي في استتباب الأمن ، وبرنامج محاربة حوادث السيرلن يكتب له النجاح مادامت مظاهر الاختلال  تتسلل إلى أجهزة الأمن والقضاء .

عبدالفتاح الصادقي

abdfettah@yahoo.fr

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أعمدة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر