مشاهدات من أرض الكنانة ١

كتبهاabdfettah sadiki ، في 8 يونيو 2007 الساعة: 19:44 م

  مذكرات من أرض الكنانة   ( الجزء الأول )

 

بعد أربع ساعات وخمس وثلاثين دقيقة من التحليق في الأعالي ، حطت الطائرة فوق مطار القاهرة الدولي ( ميناء القاهرة الجوي ) . عقارب الساعة تشير إلى السادسة وخمس وخمسين  دقيقة من صباح يوم الاثنين من شهر ماي المشمس . بعض مدرجات المطار تبدو مهملة وكئيبة . على الجنبات تطفو حشائش ذابلة ، يميل لونها نحو صفرة باهتة . حاويات البضائع مبعثرة أمام المخازن .  ينزل المسافرون من الطائرة  في عجلة من أمرهم ، وكأنهم يريدون الـتأكد من نهاية رحلتهم بسلام . يصعدون الحافلات المعدة خصيصا لنقلهم داخل المطار (الخاصة بالخطوط الجوية المصرية ) . يتوجهون نحو محطة الوصول . رجال الأمن يتمترسون خلف  صناديق زجاجية ، يدققون في الجوازات ، وفي طبيعة التأشيرات ، يسألون المسافرين  عن الهدف من زيارة مصر رغم أن ذلك مثبت في الجواز . يدخلون جميع المعلومات إلى  ذاكرة  أجهزة الحواسب . ويضعون الأختام في إحدى الأوراق  الفارغة من الجوازات ويرجعونها إلى أصحابها ، ويرحبون بهم في مصر .

مباشرة بعد تجاوز حواجز التسجيل والمراقبة ، يقترب منك أشخاص ، ربما لهم علاقة  بأمن المطار يقترحون عليك خدمات متنوعة ..

ـ  شرفت مصر يا بيه . عايز خدمة ؟ عندنا  شقق مفروشة وسيارات ومرافقون  يفسحوك في  كل حتة،   وأشياء أخرى تجعل إقامتك في منتهى المتعة ، الأسعار مناسبة جدا ..

ـ شكرا ! أنا مدعو من جهة رسمية في مصر والفندق محجوز مسبقا  ..

ـ طيب فيه سيارة أجرة توصلك للفندق ..

ـ في الواقع هناك أصدقاء مصريون  ينتظرونني  عند بوابة المطار ..

 قبل أن أكمل حديثي ، لمحت الشخص الذي خمنت أنه سيرافقني  إلى الفندق   وربما سأحتاجه طيلة مدة التدريب . إنه في سن الثلاثين تقريبا . متوسط القامة يحمل لوحة مكتوب عليها اسمي . لمحني هو الآخر . تأكد بحكم التجربة أنني الضيف الذي ينتظر . التحق بنا صحفيون من دول إفريقية أخرى ، هم أيضا جاؤوا للمشاركة في الدورة التدريبية التي ينظمها اتحاد الصحافيين الأفارقة كل عام لفائدة صحفيين من دول إفريقية مختلفة  . ركبنا عربة متوسطة تابعة لوزارة الإعلام ، يبدو أنها تصارع الزمن من أجل الوفاء بالغرض . هيكلها متهالك ومقاعدها مهترئة من قماش متسخ ، لكنها مع ذلك مكنتنا من الوصول إلى الفندق الذي لم يكن سوى دار المدرعات التي تعتبر من المرافق المدنية التابعة للمؤسسة العسكرية المصرية . إنها بمثابة دار للضيافة تستقطب ضيوفا من مختلف الأقطار والأمصار طيلة شهور  السنة .. صحفيون و جنود ورجال شرطة وسياسيون ومثقفون وفنانون ينزلون بهذه الدار خلال إقامتهم بمصر لقضاء هذا الغرض أو ذاك  . الدار عبارة عن إقامة جميلة تتمدد على منبسط في مدينة نصر ، إلى جانب المركب الرياضي  القاهرة و شارع صلاح سالم ، تتوفر على قاعة للحفلات و غرف للنوم  ومطعم فسيح ، إضافة إلى مكتبة ومسجد ومرافق أخرى ، وهي تحتاج إلى اهتمام أكثر خصوصا بالنسبة للغرف  والحمامات التي تعاني نقصا في النظافة وتقادما في التجهيزات  .. كنا أربعة صحفيين والسائق والمرافق . خيم صمت رهيب داخل السيارة ، وحده المحرك المتقادم يرهق أسماعنا بهديره الذي يشبه أصوات المفرقعات التي  يلعب بها الأطفال في أيام عاشوراء . مرافقنا أحس بثقل مسؤوليته ، فسارع إلى إخراجنا من دهشة الغربة . كلماته كانت بسيطة ، لكنها ذات نكهة خاصة تشعر المرء بنوع من الفرحة والدعابة.. المصريون مرحون وطيبون وأصحاب نكتة .. إنهم يصرون على المرح لكي يقطعوا الطريق على الكآبة واليأس .لا يترددون في تقديم يد المساعدة للغرباء .  بطبيعة الحال قد يصادف المرء  بعض الأشرار في القاهرة ،  كما هو الحال في الدارالبيضاء أو الرباط أو أي مدينة من دول العالم ، فيلحقون به أضرارا لا تنمحي وجروحا لا تندمل . 

 

  أحد الأصدقاء زار مصر خلال السنوات الماضية ، وتوجه إلى النيل ليتمتع بزرقته وهدوئه ، ويناجي   ضحاياه  الذين كانوا يقدمون قرابين خوفا من جبروته خلال القرون الغابرة ، وعوض إن يعود إلى المغرب محملا بذكريات جميلة عن مصر ، رجع وعلى خده الأيمن جرح عميق لم تستطع العملية الجراحية التجميلية محو آثاره . وقد زرت نفس المكان الذي تعرض فيه صديقنا  للاعتداء ووجدته جميلا حقا ، تحرسه عيون أجهزة الأمن ، ولا يفسد هدوءه سوى المتسولون الذين يزعجونك بطلباتهم الممزوجة بالدعوات وكأنهم يرددون ابتهالاتهم أمام ضريح أحد الأولياء الصالحين .

المصريون لهم قدرة خارقة على الحكي ، يندمجون معك في الحديث وكأنهم يعرفونك منذ زمن بعيد ، يرددون عبارات مجاملة يحفظونها عن ظهر قلب . يعتبرون المغرب بلدا ندا في كرة القدم ، ولكنهم لا يترددون في إبداء الإعجاب بروعة طبيعته والتقدير والاحترام لأبنائه الذين يعتبرون "جذعانا " في نظرهم .

انتشار المتسولين و النشالين  في بعض  الأزقة يذكرني بالمغرب وخصوصا بحي الجزاء و بباب شالة بالرباط  ، حيث يتجمهر المتسولون عند المساء استعدادا للعودة إلى "أوكارهم " بعد أن جمعوا غنائمهم . متسولونا متخلفون أغبياء وقذرون،سواء في الرباط أو القاهرة أو أي مدينة عربية أخرى  ،  يعتقدون أن تصنعهم في البكاء قد يجدي نفعا ، في البداية يستعطفونك ويسترحمونك ليستميلوا عطفك وشفقتك من أجل تحريك يديك نحو جيوبك ، وقد يصرخون في وجهك عندما يبدأ اليأس يتسرب إلى نفوسهم ، وربما يشرعون في شتمك وسب أبويك وأجدادك غير الكرماء عندما يتأكدون أنك لم تأبه إلى استجداءاتهم .. على عكس متسولي  العالم الغربي فإنهم هادئون ومتحضرون ، يجعلونك ترأف بهم دونما حاجة إلى الدعاء الكاذب أوالصراخ المبحوح أو ترديد عبارات جوفاء لا معنى لها . عندما زرت عاصمة الجن والملائكة  أول مرة، صادفت في أحد الشوارع الصغيرة القريبة من جامعة السربون المشهورة، أحد المتسولين ، حمدت الله أن التسول ليست له جنسية أودين ، لكن مع ذلك يظل تسولهم  غير تسولنا ، فالمتسول الفرنسي لا يعرقل حركة السير ، يختار مكانا مناسبا ، يفترش قطعة ورق مقوى ، ويضع قطعة أخرى أمامه مكتوب عليها " ساعدوني .. ليس لي مال " إنه لا يحتاج إلى العويل والصراخ . إنه أسلوب ذكي وحضاري ، جعلني أتحسس جيوبي ، وأخرج بعض النقود ، بطبيعة الحال ، لم تكن أكثر من خمسة فرنكات ، تسلمها المتسول الفرنسي دون أن يـتأمل ملامح وجهي أو يدعو لي بالجنة ولوالدي بالرحمة كما يفعل متسولو عالمنا الموبوء  بلؤم وغضب ،  خصوصا عندما يكون مبلغ الصدقة زهيدا من القطع النقدية الصفراء . متسولوهم لا يستطيعون استغلال الأطفال ، لأن دولهم لا تترك أطفالها عرضة للتشرد في الشوارع والأزقة ، ولأنهم إذا فعلوا فإن القانون سينزل عليهم أشد العقوبات . أما  نحن فنتفنن في استغلال أطفالنا ، فقبل أن يصلوا إلى سن التمدرس ، نرمي بهم في أحضان التسول ، وبعد حرمانهم من نعمة القراءة والكتابة ، نفرض عليهم العمل في الأوراش والمعامل السرية ..

القاهرة مدينة كبيرة بدأت تفقد عمقها التاريخي وخصوصيتها العمرانية . البنايات الإسمنتية تتمدد  في مختلف الاتجاهات دون الاهتمام بالهندسة الأصيلة وفن العمارة ، فأزمة السكن خانقة  والبحث عن إسكان الأسر ذات الدخل المحدود تجعل المسؤولين لا يضعون الإبداع العمراني ضمن   أولوياتهم . إنه المستقبل الذي ينتظر مدينة تستقطب حوالي ثلث سكان دولة مصر ..  

          عبدالفتاح الصادقي

القاهرة مدينة نصر

السبت 12 ماي 2007 

abfettah@yahoo.fr

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مذكرات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر