في حوار مع الخبير البيئي عبد الهادي بنيس
كتبهاabdfettah sadiki ، في 13 أكتوبر 2008 الساعة: 22:47 م
الوضع البيئي مقلق وأضراره الاقتصادية والاجتماعية تفوق 20 مليار درهم
تغطية التراب الوطني بالغابات لا تتجاوز 8٪ مقابل 15٪ حسب المعايير الدولية
الرباط والدار البيضاء من المدن الأكثر تلوثا في العالم على المستوى الهوائي
يقدم الخبير البيئي والفاعل الجمعوي عبد الهادي بنيس معطيات صادمة حول الواقع البيئي في بلادنا ، مؤكدا أن الوضع البيئي مقلق وأضراره الاقتصادية والاجتماعية تفوق 20 مليار درهم , ويوضح بنيس في هذا الحوار ، بمناسبة اليوم العالمي للبيئة ، أن تغطية التراب الوطني بالغابات لا تتجاوز 8٪ مقابل 15٪ حسب المعايير الدولية ، مشيرا إلى اقتلاع حوالي 35 ألف شجرة سنويا دون القدرة على تعويضها ويوضح أن كميات الأمطار في المغرب تتراجع من 150 مليار متر مكعب السبعينيات والثمانينيات الى 120 مليار حاليا ويتحدث الفاعل الجمعوى عن مختلف الملوثات وأضرارها على المجتمع ، ومنها النفايات الصلبة التي تفرغ في مطارح عشوائية دون توفير أدنى شروط السلامة البيئية ويدعو بنيس إلى التوجه نحو الطاقات النظيفة وإلزام المستثمرين باعتماد الطاقات المتجددة في أنشطتهم الاقتصادية ..
في مايلي نص الحوار :
س : باعتباركم خبيراً في المجال البيئي، هل هناك تشخيص لواقع البيئة في المغرب؟ وماهي طبيعة التحديات التي تواجهها بلادنا في هذا المجال؟
ج : إن القيام بتشخيص حقيقي للوضعية البيئية في المغرب يقتضي في البداية ضبط المكونات الأساسية للبيئة، وتحديد وسائل وآليات تدخل السياسة الحكومية في هذا المجال، فالبنسبة للمكونات لابد من الوقوف عند التنوع الإحيائي في علاقته بالتصحر، والسياسة الطاقية في علاقتها بتلوث الهواء والسياسة المائية في علاقتها باختلالات تدبير هذه المادة الحيوية، والجوانب المتعلقة بتدبير النقابات الصلبة، ثم الانعكاسات السلبية لسوء استعمال المواد الكيماوية.
أما بالنسبة للشق الثاني المتعلق باليات السياسة البيئية فلابد من الحديث عن المؤسسات والهياكل والقوانين والتشريعات والبحث والإعلام إضافة إلى الجوانب الاقتصادية والمالية .
وبشكل عام يمكن القول إن الوضع البيئي في المغرب مقلق ، وأن أضراره الا قتصادية والاجتماعية تكلف للدولة أكثر من 20 مليار درهم
.
س : طيب لنبدأ بالتفاصيل، ماذا عن التنوع البيولوجي؟
ج : في الحقيقة هذا الجانب لوحده يتطلب أبحاثا ودراسات، ولكن سأركز على التنوع الإحيائي والتصحر.
إننا نلاحظ أن تغطية التراب الوطني بالغطاء الغابوي ضعيفة جداً، وهي في تراجع مستمر إن هذه التغطية لاتتعدى 8٪ في حين أن المعايير الدولية تفرض أن تكون هذه التغطية في حدود 15٪ على الأقل من المساحة الإجمالية لأي بلد، وهذا هو المعيار البيئي المقبول.
ونلاحظ أيضا أن الغابات المغربية تتعرض لهجوم شرس، دون القدرة على تعويضها، حيث يظهر من الإحصائيات المتوفرة أن وتيرة الغرْس أقل بكثير من وتيرة هدر الفضاء الغابوي واقتلاع الأشجار، دون إغفال الغطاء النباتي الذي يكسو الأراضي غير الصالحة للزراعة، والذي يتعرض لاستغلال مفرط وغير منظم من قبل القطيع، ولاشك أن ذلك سيؤدي حتماً إلى توسيع رقعة التصحر في بلادنا، وهو ما ستكون له، لاقدر الله، مضاعفات خطيرة على المستويات البيئية والاقتصادية والاجتماعية.
وأضاف أن يصبح بلدنا، بسبب ذلك، شبيهاً بالبلدان الصحراوية التي لاتتوفر إلا على بعض الواحات،، وان الوضع خطير ويجب الوعي به وإيلائه عناية خاصة للغطاء النباتي والفضاء الغابوي باعتبارهما مصدر الحياة بالنسبة لمختلف الكائنات الحية.
وبخصوص حالة الهواء في المغرب فإنها تدعو إلى القلق، بالرغم من أن بلدنا لايستهلك كثيراً المواد الطاقية مثل الدول الصناعية حيث ارتفاع الأنشطة الصناعية وتزايد اعداد السيارات ووسائل النقل.
وإذا كان الاستهلاك السنوي من المواد النفطية لايتجاوز 0.4 طن لكل مواطن في المغرب وهو رقم ضعيف بالمقارنة مع دول مماثلة، فإن إشكالية تلوث الهواء تبقى مطروحة لعدة أسباب، منها أن أنواع المواد المستهلكة في بلادنا رديئة تساهم بشكل كبير في تلويث الهواء .
وهناك السبب المرتبط بتمركز السكان والأنشطة الصناعية وحركة النقل في المحور الشمالي الغربي حيث يضغط هذا التمركز على الفضاء البيئي ويفرز الكثير من مظاهر تلوث الهواء، وهو ما يؤدي إلى انتشار العديد من الأمراض الخطيرة والمستعصية في مقدمتها الأمراض التنفسية، وفي هذا الإطار يمكن الإشارة إلى الإحصائيات المتعلقة بالرباط والدار البيضاء اللتين تعتبران من المدن الأكثر تلوثا في العالم على المستوى الهوائي، ويتمثل السبب الثالث في تقادم وسائل النقل، ولعل هذا هو الذي دفع السلطات العمومية أخيرا إلى الإعلان عن برنامج لإعادة تأهيل أسطول النقل الطرقي من سيارات أجرة وشاحنات .
س : لقد أشرتم إلى علاقة السياسة الطاقية بتلوث الهواء هل من توضيح بهذا الخصوص؟
ج : هذا بالضبط ما كنت سأوضحه أعتقد أن السياسة المتبعة حتى الآن في قطاع الطاقة كانت فاشلة أو على الأقل غير منسجمة مع الإمكانيات التي يتوفر عليها المغرب إن بلادنا لم تستفد من إنتاج الطاقات المتجددة النظيفة بما فيه الكفاية، فالبرغم من الموارد الهائلة التي تتمتع بها فإننا بقينا مرتهنين إلى استهلاك الطاقات التقليدية، ولا أخفيكم أن الحجم الإجمالي من إنتاجنا للطاقات المتجددة لا يتجاوز 1٪ في حين أن الجهات الرسمية تتحدث عن نسبة 4٪ وتطمح إلى بلوغ نسبة 10٪ في أفق سنة 2010 اعتماداً على مخطط في هذا المجال .
صحيح أنه كان هناك تقدم ملموس في إنتاج الطاقة الهوائية، ولكن ذلك يبقى غير كاف، كما أن المغرب مازال متأخراً على مستوى إنتاج الطاقة الشمسية .
س : ماهو ، في نظركم، سبب هذا التأخر؟
ج : أولا هناك تذبذب في الإرادة السياسة المعبر عنها في هذا المجال، كما أن فكرة اعتماد الطاقات المتجددة مازالت لم تنضج بما فيه الكفاية خصوصاً بالنسبة للفاعلين الاقتصاديين الذين من المفروض أن يفكروا في حالات الطوارئ ارتباطاً بالنقص أو بنضوب الموارد الطاقية التقليدية إن هؤلاء الفاعلين مطالبون على الأقل بالتوفر على احتياطي من الطاقات المتجددة لمواجهة مثل حالات الطوارئ هاته فمثلا يمكن للقطاع السياحي أن يخصص جزءاً من حاجيات الطاقية للطاقات المتجددة وخصوصا الشمسية وإذا كان هذا القطاع يتذرع بارتفاع تكلفة الاستثمارات الأولية في هذا المجال، فإن السلطات العمومية يمكن أن تعالج الأمر بتخصيص مثلا نسبة 10٪ من قيمة 55 مليار درهم الموجهة لاستيراد المحروقات، وتقديمها كدعم لمنتجي الطاقة الشمسية بشكل خاص، والطاقات المتجددة بكل أصنافها، بشكل عام، ومن المؤكد أن مثل هذا الإجراء سيجعل الطاقات المتجددة منافسة للأنواع الأخرى من الطاقة وبالتالي تساهم في الرفع من إنتاجيتها .
ويمكن تأطير هذا التوجه بتشريع جديد يلزم كل مستثمر باعتماد الطاقات المتجددة بنسبة معينة في أنشطته الاقتصادية، وبخصوص الطاقة الكهربائية، يمكن القيام بحملة وطنية لاستعمال المصابيح المقتصدة للطاقة في المنازل والشوارع والإدارات العمومية .
س : يبدو أن مواجهة التحدي المائي يشكل عنصرا مركزيا في أي سياسة بيئية ناجعة , كيف تنظرون الى الجانب؟
ج : لقد سبق أن أشرت الى أن السياسة المائية تمثل أحد المكونات الأساسية للسياسة البيئية.
المعروف أن المغرب بذل مجهودا مهما في هذا المجال منذ بداية الاستقلال، عبر تشييد عدد من السدود لتخزين مياه الأمطار لاستخدامها في الشرب أو الفلاحة.
والمعروف أيضا أن جميع دول حوض البحر الأبيض المتوسط مهددة بالجفاف ومن ضمنها المغرب الذي تشير المعطيات المتوفرة أنه يعاني من سنوات متقطعة من الجفاف، بل إنه عرف تراجعا في كميات الأمطار المتهاطلة عليه، حيث انتقلت من حوالي 150 مليار متر مكعب خلال سنوات السبعينيات والثمانينيات الى حوالي 120 مليار متر مكعب في الوقت الحالي. إلا أن سياسة السدود لم تكن مكتملة، فقد غابت عنها عمليات تشجير الأحواض المائية، وهو ما أدى إلى انجراف التربة والتقليص من الطاقة التخزينية للسدود من خلال تكاثر الأوحال . والملاحظ في المجال أن حوالي 90٪ من هذه المياه توجه للفلاحة، والخطير أن هناك تبذيرا كبيرا لها من قبل الفلاحين بسبب الاعتماد على تقنيات السقي القديمة، وتقادم قنوات الري وتعرض بعضها للتخريب، وأعتقد أن اعتماد الوسائل العصرية في السقي وإصلاح القنوات يمكن أن يساهم في ربح حوالي 20٪ على الأقل من نسبة 90٪ المستهلكة من قبل القطاع الفلاحي .
إضافة الى ذلك هناك نسبة مهمة من مياه الشرب تضيع في الطريق نحو المستهلكين عبر شبكات التوزيع المتقادمة، والتي يقتضي الأمر إصلاحها
دون الحديث عن جودة هذه المياه، حيث يصنف المغرب في رتبة متأخرة عالميا في هذا المجال.
وبشكل عام يمكن القول إن الموارد المائية في المغرب مهددة بالتراجع بسبب توالي سنوات الجفاف، ومهددة أيضا بسبب التلوث بسبب الانشطة الصناعية والفلاحية التي ترمي كميات كبيرة من نفاياتها في الوديان والطبيعة دون إخضاعها للمعالجة.
س : ولكن ماهو دور المخطط الوطني؟ وما جدوى القوانين المعتمدة في مجال تدبير الماء؟
ج : في مجال السياسة المائية لابد من الإشارة الى أن سنة 1995 شهدت خروج قانون تدبير المياه في المغرب الى حيز الوجود وهو يطالب بضرورة التوفر على مخطط شامل يصادق عليه جميع المتدخلين، لكن الملاحظ أنه بعد مرور حوالي 13 سنة ما زلنا لا نتوفر على مخطط وطني مصادق عليه من قبل المجلس الأعلى للماء والمناخ، والملاحظ أيضا أن النصوص التطبيقية لهذا القانون لم تخرج الى حيز الوجود بعد .
س : ولكن هناك مخطط؟
ج : صحيح هناك مشروع مخطط أعده قطاع الماء، إلا أنه يبقى حتى الآن دون الأهداف المنشودة، كما أن هناك خلافا بين قطاعات حكومية حول الأولويات المتعلقة بهذا المشروع.
وأعتقد أن الضرورة تقتضي التعجيل بعقد اجتماع للمجلس الأعلى للماء والمناخ للنظر في موضوع التغيرات المناخية وعلاقتها بالماء والبيئة.
إن هذا الأمر مهم جدا، ولا يتحمل التأجيل، والدراسات والابحاث تبين أن المغرب معرض لحالات جفاف متكررة وحادة سيتتبعها عجز في واردات المياه السطحية والجوفية، وتقلص مستوى التزود بالماء الشروب، والمياه الموجهة للفلاحة، مع تزايد الطلب على الموارد المائية التي تبقى سريعة التأثر بالتلوث.
س : ماذا عن تدبير النفايات الصلبة؟
ج : بالرغم من المجهود الذي بذل على صعيد بعض المدن المغربية، إلا أن الوضعية تبقى مزرية بالنسبة للنفايات الصلبة والمشكل الخطير هو أن هذه الأخيرة تفرغ في مطارح عشوائية وغير منظمة، حيث يتم نقلها من وسط الحواضر الى أماكن غير بعيدة دون توفير أدنى شروط السلامة البيئية، وهو مايعني أن استمرار انعكاساتها السلبية سواء على الإنسان أو الطبيعة، وخصوصا بالنسبة للمياه الجوفية، وربما استفحل الوضع مع الوقت، حيث تتضمن هذه النفايات بعض المواد الكيماوية والعضوية وأيضا الطبية التي تكون التي تكون عواقبها وخيمة على البيئة في الزمان والمكان.
يجب الاعتراف بأننا قمنا بعمل مهم على المستوى المؤسساتي والقانوني، حيث تمت المصادقة على قانون لتدبير النفايات واعتماد مخطط بهذا الشأن، إلا أن وتيرة الانجاز تبقى بطيئة، لا يمكن معها تدارك التراكم الحاصل على مستوى التلوث البيئي الناتج عن النفايات الصلبة .
س : في الإطار نفسه يطرح موضوع تدبير استعمال المواد الكيماوية، هل هناك توضيحات بهذا الخصوص؟
ج : إنه عنصر آخر لم يتم الاهتمام به إلا مؤخرا، في إطار السياسة البيئية
إننا مازلنا متأخرين في التعامل مع هذا القطاع، خصوصا بالنسبة لتدبير المبيدات المستعملة في الفلاحة ونحن نعرف أن نسبة مرتفعة جدا في مكونات هذه المبيدات والأسمدة تتسرب الى الموارد الفلاحية الغذائية التي يستهلكها المواطنون، وقد تتسبب في عدد من الأمراض منها السرطان مع العلم أن الأسمدة الأزوطية من المواد الكيماوية الخطيرة، ولذلك يجب محاربة هذه الأمراض في جذورها عبر سياسة وقائية تحرم اللجوء إلى أنواع المواد المبيدات والأسمدة المضرة بالانسان والطبيعة.
س : ماهو التوجه الذي تقترحونه لمواجهة الوضع البيئي المقلق؟
ج : اعتقد أن المغرب لم يتمكن حتى الآن من وضع القطاع البيئي في المكانة اللائقة به، ويظهر ذلك أولا في منطق التأرجح والتردد في إلحاقه بالهيكلة الحكومية، بحيث جربنا عدة صيغ منها مديرية تابعة لوزارة وكتابة دولة ووزارة، إلا أننا لم نصل إلى نتائج مرضية.
ان البيئة قطاع أفقي ومن المفروض ربطه بوزارة ذات مهام أفقية، مثل إعداد التراب الوطني والمحافظة على البيئة ولابد أن تكون هذه الهيكلة الحكومية فاعلة وقوية تتوفر على مصالح خارجية تناسب وتواكب التحديات البيئية على مستوى مختلف الجهات.
إذن الحسم في الهيكلة يعتبر رافعة أولى في مجال الاهتمام الحكومي بالبيئة، ثم هناك الرافعة الثانية المتعلقة بالتشريعات والقوانين، حيث من الضروري تقوية وتحسين الإطار القانوني المتعلق بالبيئة . لقد صدرت مجموعة من القوانين خلال السنوات الأخيرة الماضية، وهي في حاجة إلى تفعيل، ومازلنا في حاجة إلى قوانين أخرى تهم على وجه الخصوص تدبير السواحل المغربية، والمحافظة على التنوع الإحيائي، وتدبير الغابات باعتبار أن القانون المتعلق بهذا الأخيرة تقادم ولم يعد يتجاوب مع التطورات الحاصلة في المجتمع المغربي وعلى الصعيد الدولي .
وهناك رافعة ثالثة تهم تشجيع البحث العلمي في المجال البيئي والاستفادة من الأبحاث والدراسات المنجزة .
والرافعة الرابعة تتمثل في توسيع الحملات الإعلامية ودعم الجمعيات والإعلام البيئي في الصحافة المكتوبة والسمعية والبصرية، وفي هذا الجانب بالضبط، نشير إلى أن الإعلام البيئي عرف تقدماً ملحوظاً خلال السنوات الماضية، إلا أنه تراجع في ما بعد، وهو أمر غير مفهوم وغيرمقبول
وهناك رافعة خامسة تهم التمويل، حيث لايمكن إنجاز أي سياسة بيئية دون دعم مالي في المستوى المطلوب وفي مستوى التحديات التي تواجهها المصلحة العامة للبلاد .
حاوره : عبدالفتاح الصادقي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : حوارات | السمات:حوارات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























