في حوار مع الخبير البيئي الدكتور العربي السباعي
كتبهاabdfettah sadiki ، في 7 يونيو 2008 الساعة: 11:42 ص
بيئتنا مريضة تتطلب إجراء عملية جراحية لاستئصال الورم الخبيث
التكاليف السنوية لتدهور البيئة حوالي 2،8٪ من الناتج الداخلي الإجمالي
يعاني الفضاء البيئي في بلادنا من مشاكل حقيقية ناتجة بالأساس عن ارتفاع النمو الديمغرافي والتمدن واحتياجات التنمية الاقتصادية إضافة الى التقلبات المناخية وندرة الموارد الطبيعية وهشاشتها.
ويفيد قطاع البيئة أن هذه العوامل تتسبب في تدهور الوسط الطبيعي وتضر بصحة السكان وبجودة عيشهم. وتقدر تكاليف تدهور البيئة حسب أرقام قديمة بحوالي 20 مليار درهم سنويا أي ما يعادل 2،8٪ من الناتج الداخلي الإجمالي، وتخص هذه الأرقام بالأساس التكاليف الإضافية لمعالجة المياه الصالحة للشرب والخدمات الطبية لعلاج الأمراض المائية المعدية والتنافسية الناتجة عن التلوث والوفيات المبكرة المترتبة عن ذلك.
وللاطلاع على أوضاع البيئة المغربية ومعرفة الحلول الممكنة لتجاوز الأخطار المحدقة بها كان لنا لقاء مع الدكتور العربي السباعي الذي خبر الميدان وخصوصا ما يتعلق بالبيئة البحرية. علما بان الدكتور السباعي كان خبيرا في قضية الباخرة الإيرانية خرج 5 التي لوثت المياه المغربية سنة 1989. فيما يلي نص الحوار:
س: صدر لكم أخيرا كتاب يتناول موضوع قانون البيئة البحرية والساحلية بالمغرب، هل يمكن أن تحدثونا عن طبيعة هذا العمل والأهداف التي توخيتم تحقيقها من ورائه؟
ـ ج: لقد ألفت هذا الكتاب بعد اطلاعي على الأدبيات المتخصصة في هذا المجال، وإحساسي بوجود نقص كبير في المراجع المهتمة بهذا الميدان سواء بالنسبة للباحث أو للمهني أو للصحفي أو لغيرهم…
وبحكم تجربتي المتواضعة في هذا الجانب، حيث تناولت الموضوع في عدة مقالات، قررت إصدار مؤلف خاص بقانون البيئة البحرية واستأنست بتجربتي، خصوصا تلك التي راكمتها عندما كنت خبيرا محلفا في قضية الباخرة الإيرانية خرج 5 التي لوثت المياه المغربية سنة 1989 ولا شك أن الضرورة تقتضي أن يتعرف القارئ والباحث والمهتم والصحفي على ما شهده المغرب في تلك اللحظات الحرجة من مشاكل وصعوبات بيئية وقانونية.
إذن كان الهدف الرئيسي من هذا المؤلف هو المساهمة في ملء الفراغ الموجود في الأدبيات القانونية والمسطرية المتعلقة بالبيئة البحرية، والكتاب مبادرة أولى تحاول تناول الموضوع من بعض الجوانب.
س: طيب دكتور، باعتبار خبرتكم، كيف تقيمون الوضع البيئي في بلادنا؟
ج : إنني لا أضيف جديدا إذا قلت إن الوضع البيئي في بلادنا مقلق، فجميع الدارسين والباحثين وأصحاب القرار أنفسهم يؤكدون هذا المعطى، والواقع أن معرفة هذا الأمر لا تتطلب كبير عناء، فالكثير ممن فضاءاتنا البيئية الجميلة لحقها الضرر وتم تشويه معالمها، ومن المؤكد أن أحداث قطاع وزاري متخصص بالبيئة بعد ريو دي جانيروا سنة 1992، ثم استمرار ذلك مع الحكومات المتعاقبة، يعتبر دليلا قاطعا على أن المشكل البيئي وصل الى الحد الذي لا يمكن السكوت عنه، وأصبح معضلة حقيقية يجب معالجتها بكل حزم. وبما أن المغرب كان يشكو من نقائص في هذا المجال فقد كان من الضروري على صاحب القرار أن يعطيه الاهتمام اللازم.
وكخلاصة يمكن القول إن بيئتنا مريضة وتتطلب تدخل الطبيب وتقديم وصفة العلاج وربما إجراء عملية جراحية لاستئصال الورم الخبيث. إن المجهودات التي بذلت حتى الآن غير كافية لمواجهة الخطر المحدق، ولذلك لابد من مضاعفة هذه المجهودات وجعلها مستمرة في الزمان والمكان، ولابد كذلك من مضاعفة حملات التحسيس وتطوير وسائل التدخل وتحسين الموارد البشرية والمادية للنهوض بقطاع البيئة ككل.
س: أي دور يمكن أن يلعبه الجانب القانوني والتشريعي للحد من الآثار السلبية للتلوث البيئي؟
ـ ج: الجانب القانوني، في الواقع، مجرد مكون من المكونات التي يجب ان ترتكز عليها مقاربة حماية البيئة من التلوث.
واعتقد جازما أن وجود ترسانة قانونية في هذا المجال أفضل من عدم وجودها، إذا لم نقل إنها ضرورية.
وبشكل عام، تتطلب مواجهة المعضلات البيئية التوفر على استراتيجية شمولية ترتكز على منهجية عمل واضحة وموارد مالية وبشرية كافية، إضافة إلى قوانين وتشريعات تواكب العصر. وإذا كان المغرب مطالب بالاستعداد لمواجهة الصعوبات المحتملة في المجال البيئي، فإن أضعف الإيمان هو تحضير قوانين مسايرة لما هو قائم على الصعيد الوطني والإقليمي والدولي.
هناك مثال فقط يدل على أهمية الجانب القانوني، وهو انه عندما تلوثت المياه المغربية في سنة 1989 من قبل الباخرة الإيرانية خرج 5، واجه المغرب عدة صعوبات، فلم تكن الخبرة والكفاءة متوفرة بالشكل اللازم، كما كان هناك نقص كبير في الموارد المالية إضافة الى مشكل ثالث يتمثل في الأساس القانوني، حيث إن الترسانة القانونية في تلك اللحظة كانت عرجاء، وقد التجأ المغرب في آخر المطاف إلى التحكيم الدولي بسبب هذا الفراغ القانوني، ولو كانت هناك تشريعات وقوانين وطنية تهم جانب البيئة البحرية لما التجأ المغرب للتحكيم الدولي وما ترتب عنه من نتائج ليست في صالح بلادنا.
س: ماهي في نظركم المجالات الأكثر تضررا بالتلوث البيئي؟
ج: لا يمكن أن أقدم ترتيبا هرميا بحسب أهمية التلوث البيئي وضخامته. والمعروف أن الغابة تشكو الكثير حيث تراجع الغطاء النباتي، واقتلاع الأشجار في اتجاه تصاعدي، كما أن المحيط البيئي السكني يعاني الكثير بسبب الزحف المتواصل للنفايات أمام غياب وسائل إعادة معالجتها، وكذلك الفضاء البحري الذي تلحقه أضرار كبيرة بسبب الرواج التجاري والنشاط الصناعي والنفايات المنزلية خصوصا السائلة.
ولكن حسب المعطيات الميدانية المباشرة يمكن القول إن الأنهار والوديان المغربية هي الأكثر تضررا بسبب الضغط المكثف عليها من قبل الأنشطة المختلفة، والذي كان من نتائجه انقراض بعض كائناتها كما هو الشأن بالنسبة لسمك الشابل.
س: كيف يمكن تحويل البيئة من فضاء ملوث الى مصدر لتوفير فرص الشغل، وتحقيق النمو؟
ج ـ انه سؤال وجيه جدا نظرا لعدم اهتمام المسؤولين بهذا الجانب فالاهتمام بالمحافظة على البيئة قد ينظر له البعض باعتباره إثقال كاهل الدولة بمصاريف جديد، ولكنه في واقع الأمر استثمار على المستوين المتوسط والبعيد من اجل خلق الثروة وإنعاش الشغل وتحقيق النمو.
إن الخسائر الناتجة عن الأضرار بالبيئة، التي تقدر ب 20 مليار درهم يمكن التقليص منها في الأمد القصير، وجعلها أرباحا في الأمد المتوسط في حالة وجود استراتيجية مندمجة للنهوض بالقطاع البيئي.
وأعتقد أن الحديث عن البيئة يحيل بالضرورة إلى الحديث عن التنمية المستدامة وتوفير فرص الشغل وتحقيق النمو.
ولابد من الإشارة إلى أن هناك رؤيا غير واضحة بالنسبة لبعض المستثمرين في ما يخص تعاطيهم للشأن البيئي، فالاستثمار المنتج يجب أن يكون متكاملا غير غافل للجانب البيئي، صحيح أن الاستثمار البيئي يتطلب مجهودات جبارة، وقد لا تكون نتائجه مباشرة في الزمان والمكان، ولكن من المؤكد أن النتائج النهائية ستكون إيجابية جدا، ولذلك فالمستثمر مطالب بالمغامرة أو المبادرة للاهتمام بالجانب البيئي لأن الاستثمار فيه ليس إنفاقا زائدا ،وهو أمر ليس اختياريا وإنما مفروضا أمام انفتاح بلادنا على العالم الخارجي وانخراطها في مسلسل العولمة الذي يستلزم احترام العديد من المعايير البيئية
س: ماهي المقاربة التي تفضلونها من أجل مواجهة المعضلات البيئة؟
ج: اعتقد أنها مقاربة شاملة ومندمجة، كما سبق أن قلت، ويمكن الانطلاق بالتركيز على الأجيال الصاعدة من خلال التحسيس المستمر عبر البرامج الدراسية ووسائل الإعلام وتنظيم الندوات والحملات، وأظن أن اعتماد الوسائل الوقائية أفضل بكثير من اللجوء الى الوسائل الزجرية والعقابية، ولكن الأولى لا تنفي الثانية. إن المقاربة الناجعة يجب أن تعتمد على جميع الأبعاد القانونية والزجرية والتحسيسية والتعليمية.
س: على ذكر البعد الزجري ألا يمكن مثلا التفكير في فرض غرامات مالية على الذين يتسببون في تلويث البيئة سواء كانوا أشخاصا ماديين أو معنويين؟
ج: يعتبرني البعض صارما في هذا الجانب حيث إنني أحبذ تطبيق فكرة التغريم المنطقي المتلائم مع حجم الإضرار بالبيئة.
واعتقد أن حجم الغرامة يجب أن يكون في حجم الضرر الذي تتعرض له البيئة، حتى يكون ذلك عامل ردع للملوثين.
إننا مثلا عندما ننظر لقوانين 73 بالنسبة للصيد البحري نجد أن الغرامات ضعيفة وهزيلة جدا بالنسبة لوسائل ومناطق الصيد وغيرها،، وهو ما كان يشجع على إلحاق الضرر بالبيئة البحرية، ولكن بعد سنة 1989 أصبحت الغرامات مهمة جدا وهو ما جعل المهني يضرب ألف حساب قبل ارتكاب أي مخالفة، وقس على ذلك في مختلف المخالفات.
س: أشرتم إلى مساهمتكم كخبير في معالجة مشكل الباخرة الإيرانية خرج 5، هل يمكن أن تحدثونا عن تفاصيل هذه القضية؟
ج: الواقع أن الكارثة كانت كبيرة جدا، وأن الخطر كان من الممكن أن يتسبب في مشاكل بيئية عويصة. ولكن من حسن الحظ شملتنا رعاية الألطاف الإلهية، حيث إن الرياح جرت بما تشتهيه رغبتنا في تجاوز الأزمة.
وتجدر الإشارة الى أن الناقلة الإيرانية كانت من الحجم الضخم، وليس هناك مجال للمقارنة بينها وبين باخرة برستيج التي غرقت قرب شواطئ غاليسيا، فقد تسربت إلى السواحل المغربية أكثر من 70 ألف طن من المواد النفطية أي ما يوازي إجمالي حمولة برستيج، ثم كانت هناك معضلة وهي تلوث مياهنا بالبحر الأبيض المتوسط قرب مضيق جبل طارق بسبب باخرة سيسبلوت التي تسربت منها حوالي 12 ألف طن من المواد النفطية وهذا يعني أن السواحل المغربية تلوثت بحوالي 82 ألف طن من هذه المواد، ولكن مع الأسف الشديد لم يلق هذان الحدثان ما يستحق من اهتمام إعلامي على المستوى الدولي وكان حادث الباخرة التي لوثت منطقة الألسكا غطت على المعضلة التي ابتليت بها الشواطئ المغربية رغم أن ما تسرب من الألسكا أقل من نصف ما تسرب في الشواطئ المغربية، حتى إن الكتابات المتخصصة في هذا المجال تشير إلى اكسنفانديز بالألسكا ولا تشير الى خرج 5 بالمغرب.
ولا شك أن هذا التقصير مرتبط بضعف أصحاب القرار في المغرب حيث بعنا سلعتنا بأبخس الأثمان. وكان هذا الجانب من الأسباب التي دفعتني إلى إصدار كتابي السالف الذكر.
س: ألم يكن المغرب قادرا على الدفاع عن مصالحه؟
ج: الكل يتحمل المسؤولية في هذا الجانب، حتى الإعلام قصر في التعريف بحجم الكارثة، وهناك شيء آخر وهو أن المغرب لم يكن مصادقا على اتفاقية واحدة حرمته من تلك الدعاية على الصعيد الدولي، حيث لم يكن مساهما في الصندوق الخاص بالتلوث بالمواد النفطية، وقد أصبح مساهما بعد هذه الكارثة، والغريب في الأمر أننا لم نكن داخل هذا الصندوق ولم نستفد من خدماته ومع ذلك كان مدير الصندوق هو الحكم، وطبقت علينا آنذاك مقاييس ومعايير الصندوق، وهذه من الطرائف الغريبة المرتبطة بتلك المرحلة.
س: كيف كانت طبيعية التحكيم؟ هل لفائدة المغرب أم ضده؟
ج: كنت أحبذ لو كان المغرب مصادقا على تلك الاتفاقية المؤرخة سنة 1971 فذلك خير من اللجوء إلى التحكيم، ولكن بما أننا كنا معوقين قانونيا فقد فرض التحكيم نفسه.
س: ماذا خسر المغرب؟
ج: لقد خسر الكثير. ماديا لا يمكن تقدير حجم الأضرار البيئية وخسائر المهنيين المترتبة عن تلك الكارثة.
الكارثة كانت خسارة بجميع المقاييس. الربح الوحيد الذي يمكن الإشارة إليه هو التعجيل بمصادقة بلادنا على الاتفاقية، واكتساب التجربة لدى بعض الأشخاص في مجال البيئة البحرية، واعتماد مرسوم التخطيط الوطني الاستعجالي لمحاربة التلوث بالهيدروكربونات سنة 1996، وقد نظمت العديد من المناورات منها تلك التي عرفها ميناء المحمدية سنة 2002،كان الهدف منها معرفة كيف سيتتعامل المسؤولون والخبراء والجهات المعنية مع كارثة بيئية مختصة.
س: كلمة أخيرة؟
ج: إننا في الواقع في حاجة إلى إحياء القيم التي تربت عليها الأجيال القديمة للمجتمع المغربي، في الماضي كان من الصعب جدا أن يضر المواطن المغربي بيئته ، بل كانت هناك مجموعة من القواعد التي ظلت تنظم علاقة المجتمع بالبيئة عبر التاريخ، ويمكن ذكر الكثير من الأمثلة، منها التعامل مع الماء الذي اتسم بالتدبير الجيد والعقلاني من خلال نظام رعاية المطفيات والسواقي والقنوات والعيون، فالماء ملك للجميع والكل كان يصهر على حمايته من التبذير من خلال التخزين والتوزيع، وهناك مثال آخر في التدبير الجيد للفضاء البيئي الذي كان يظهر في انتشار المساحات الخضراء التي تتمثل في الجنانات والعراسي والبساتين المعدة للنزهة والاستمتاع بالمحيط البيئي، وهي فضاءات فقدناها، مع الأسف الشديد…
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : حوارات | السمات:حوارات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























